فصل: الْقِسْمُ الثَّانِي مِنَ الْكِتَابِ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى مَقَاصِدِ الْمُكَلَّفِ فِي التَّكْلِيفِ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الموافقات ***


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْقِسْمُ الثَّانِي مِنَ الْكِتَابِ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى مَقَاصِدِ الْمُكَلَّفِ فِي التَّكْلِيفِ

وَفِيهِ مَسَائِلُ‏:‏

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى‏:‏ ‏[‏الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَالْمَقَاصِدُ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ‏]‏

إِنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ وَالْمَقَاصِدَ مُعْتَبَرَةٌ فِي التَّصَرُّفَاتِ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ وَالْأَدِلَّةُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لَا تَنْحَصِرُ‏.‏

وَيَكْفِيكَ مِنْهَا أَنَّ الْمَقَاصِدَ تُفَرِّقُ بَيْنَ مَا هُوَ عَادَةٌ وَمَا هُوَ عِبَادَةٌ، وَفِي الْعِبَادَاتِ بَيْنَ مَا هُوَ وَاجِبٌ وَغَيْرُ وَاجِبٍ، وَفِي الْعَادَاتِ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمُبَاحِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمُحَرَّمِ وَالصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَالْعَمَلُ الْوَاحِدُ يُقْصَدُ بِهِ أَمْرٌ فَيَكُونُ عِبَادَةً، وَيُقْصَدُ بِهِ شَيْءٌ آخَرُ فَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ، بَلْ يُقْصَدُ بِهِ شَيْءٌ فَيَكُونُ إِيمَانًا، وَيُقْصَدُ بِهِ شَيْءٌ آخَرُ فَيَكُونُ كُفْرًا كَالسُّجُودِ لِلَّهِ أَوْ لِلصَّنَمِ‏.‏

وَأَيْضًا فَالْعَمَلُ إِذَا تَعَلَّقَ بِهِ الْقَصْدُ تَعَلَّقَتْ بِهِ الْأَحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ، وَإِذَا عُرِّيَ عَنِ الْقَصْدِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ شَيْءٌ مِنْهَا كَفِعْلِ النَّائِمِ وَالْغَافِلِ وَالْمَجْنُونِ‏.‏

وَقَدْ قَالَ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ‏}‏ ‏[‏الْبَيِّنَة‏:‏ 5‏]‏‏.‏

‏{‏فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ‏}‏ ‏[‏الزُّمَر‏:‏ 2‏]‏‏.‏

‏{‏إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ‏}‏ ‏[‏النَّحْل‏:‏ 106‏]‏‏.‏

وَقَالَ‏:‏ ‏{‏وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ‏}‏ ‏[‏التَّوْبَة‏:‏ 54‏]‏‏.‏

وَقَالَ‏:‏ ‏{‏وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا‏}‏ ‏[‏الْبَقَرَة‏:‏ 231‏]‏ بَعْدَ قَوْلِه‏:‏ ‏{‏فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ‏}‏ ‏[‏الْبَقَرَة‏:‏ 231‏]‏‏.‏

وَقَالَ‏:‏ ‏{‏مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ‏}‏ ‏[‏النِّسَاء‏:‏ 12‏]‏‏.‏

وَقَالَ‏:‏ ‏{‏لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ‏}‏ إِلَى قَوْلِه‏:‏ ‏{‏إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً‏}‏ ‏[‏آلِ عِمْرَانَ‏:‏ 28‏]‏‏.‏

وَفِي الْحَدِيث‏:‏ «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» إِلَى آخِرِهِ‏.‏

وَقَالَ‏:‏ «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»‏.‏

وَفِيه‏:‏ «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ فَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ مَعِي فِيهِ شَرِيكًا تَرَكْتُ نَصِيبِي لِشَرِيكِي»‏.‏

وَتَصْدِيقُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا‏}‏ ‏[‏الْكَهْف‏:‏ 110‏]‏‏.‏

وَأَبَاحَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلْمُحْرِمِ أَكْلَ لَحْمِ الصَّيْدِ مَا لَمْ يَصِدْهُ أَوْ يُصَدْ لَهُ، وَهَذَا الْمَكَانُ أَوْضَحُ فِي نَفْسِهِ مِنْ أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِ‏.‏

لَا يُقَالُ‏:‏ إِنَّ الْمَقَاصِدَ وَإِنِ اعْتُبِرَتْ عَلَى الْجُمْلَةِ فَلَيْسَتْ مُعْتَبَرَةً بِإِطْلَاقٍ وَفِي كُلِّ حَالٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَشْيَاءُ، مِنْهَا الْأَعْمَالُ الَّتِي يَجِبُ الْإِكْرَاهُ عَلَيْهَا شَرْعًا، فَإِنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى الْفِعْلِ يُعْطِي ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ فِيمَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ امْتِثَالَ أَمْرِ الشَّارِعِ، إِذْ لَمْ يَحْصُلِ الْإِكْرَاهُ إِلَّا لِأَجْلِهِ، فَإِذَا فَعَلَهُ وَهُوَ قَاصِدٌ لِدَفْعِ الْعَذَابِ عَنْ نَفْسِهِ فَهُوَ غَيْرُ قَاصِدٍ لِفِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الْعَمَلَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِالنِّيَّةِ الْمَشْرُوعَةِ فِيهِ، وَهُوَ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَصِحَّ، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ كَانَ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءً، فَكَانَ يَلْزَمُ أَنْ يُطَالَبَ بِالْعَمَلِ أَيْضًا ثَانِيًا، وَيَلْزَمُ فِي الثَّانِي مَا لَزِمَ فِي الْأَوَّلِ، وَيَتَسَلْسَلُ، أَوْ يَكُونَ الْإِكْرَاهُ عَبَثًا، وَكِلَاهُمَا مُحَالٌ، أَوْ يَصِحَّ الْعَمَلُ بِلَا نِيَّةٍ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ‏.‏

وَمِنْهَا أَنَّ الْأَعْمَالَ ضَرْبَان‏:‏ عَادَاتٌ، وَعِبَادَاتٌ‏.‏

فَأَمَّا الْعَادَاتُ فَقَدْ قَالَ الْفُقَهَاءُ‏:‏ إِنَّهَا لَا تَحْتَاجُ فِي الِامْتِثَالِ بِهَا إِلَى نِيَّةٍ، بَلْ مُجَرَّدُ وُقُوعِهَا كَافٍ كَرَدِّ الْوَدَائِعِ وَالْمَغْصُوبِ وَالنَّفَقَةِ عَلَى الزَّوْجَاتِ وَالْعِيَالِ وَغَيْرِهَا، فَكَيْفَ يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْمَقَاصِدَ مُعْتَبَرَةٌ فِي التَّصَرُّفَاتِ‏.‏

وَأَمَّا الْعِبَادَاتُ فَلَيْسَتِ النِّيَّةُ بِمَشْرُوطَةٍ فِيهَا بِإِطْلَاقٍ أَيْضًا، بَلْ فِيهَا تَفْصِيلٌ وَخِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي بَعْضِ صُوَرِهَا، فَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ، وَكَذَلِكَ الصَّوْمُ وَالزَّكَاةُ، وَهِيَ عِبَادَاتٌ‏.‏

وَأَلْزَمُوا الْهَازِلَ الْعِتْقَ وَالنَّذْرَ كَمَا أَلْزَمُوهُ النِّكَاحَ وَالطَّلَاقَ وَالرَّجْعَةَ‏.‏

وَفِي الْحَدِيث‏:‏ «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ‏:‏ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ»‏.‏

وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ‏:‏ «مَنْ نَكَحَ لَاعِبًا أَوْ طَلَّقَ لَاعِبًا أَوْ أَعْتَقَ لَاعِبًا فَقَدْ جَازَ»‏.‏

وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ‏:‏ أَرْبَعٌ جَائِزَاتٌ إِذَا تُكُلِّمَ بِهِنَّ‏:‏ الطَّلَاقُ وَالْعِتَاقُ وَالنِّكَاحُ وَالنَّذْرُ‏.‏

وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْهَازِلَ مِنْ حَيْثُ هُوَ هَازِلٌ لَا قَصْدَ لَهُ فِي إِيقَاعِ مَا هَزَلَ بِهِ، وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ فِيمَنْ رَفَضَ نِيَّةَ الصَّوْمِ فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ وَلَمْ يُفْطِرْ- أَنَّ صَوْمَهُ صَحِيحٌ، وَمَنْ سَلَّمَ مِنَ اثْنَتَيْنِ فِي الظُّهْرِ مَثَلًا ظَانًّا لِلتَّمَامِ فَتَنَفَّلَ بَعْدَهَا بِرَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ لَمْ يُتِمَّ- أَجَزَأَتْ عَنْهُ رَكْعَتَا النَّافِلَةِ عَنْ رَكْعَتَيِ الْفَرِيضَةِ‏.‏

وَأَصْلُ مَسْأَلَةِ الرَّفْضِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا، فَجَمِيعُ هَذَا ظَاهِرٌ فِي صِحَّةِ الْعِبَادَةِ مَعَ فَقْدِ النِّيَّةِ فِيهَا حَقِيقَةً‏.‏

وَمِنْهَا أَنَّ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا لَا يُمْكِنُ فِيهِ قَصْدُ الِامْتِثَالِ عَقْلًا، وَهُوَ النَّظَرُ الْأَوَّلُ الْمُفْضِي إِلَى الْعِلْمِ بِوُجُودِ الصَّانِعِ وَالْعِلْمِ بِمَا لَا يَتِمُّ الْإِيمَانُ إِلَّا بِهِ‏.‏

فَإِنَّ قَصْدَ الِامْتِثَالِ فِيهِ مُحَالٌ حَسَبَمَا قَرَّرَهُ الْعُلَمَاءُ، فَكَيْفَ يُقَالُ إِنَّ كُلَّ عَمَلٍ لَا يَصِحُّ بِدُونِ نِيَّةٍ‏؟‏

وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا كُلُّهُ دَلَّ عَلَى نَقِيضِ الدَّعْوَى، وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ عَمَلٍ بِنِيَّةٍ وَلَا أَنَّ كَلَّ تَصَرُّفٍ تُعْتَبَرُ فِيهِ الْمَقَاصِدُ هَكَذَا مُطْلَقًا‏;‏ لِأَنَّا نُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِأَمْرَيْن‏:‏

أَحَدُهُمَا‏:‏ أَنْ نَقُولَ‏:‏ إِنَّ الْمَقَاصِدَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْأَعْمَالِ ضَرْبَان‏:‏ ضَرْبٌ هُوَ مِنْ ضَرُورَةِ كُلِّ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُخْتَارٌ، وَهُنَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ‏:‏ إِنَّ كُلَّ عَمَلٍ مُعْتَبَرٌ بِنِيَّتِهِ فِيهِ شَرْعًا قُصِدَ بِهِ امْتِثَالُ أَمْرِ الشَّارِعِ أَوْ لَا، وَتَتَعَلَّقُ إِذْ ذَاكَ الْأَحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ، فَإِنَّ كُلَّ فَاعِلٍ عَاقِلٍ مُخْتَارٍ إِنَّمَا يَقْصِدُ بِعَمَلِهِ غَرَضًا مِنَ الْأَغْرَاضِ حَسَنًا كَانَ أَوْ قَبِيحًا، مَطْلُوبَ الْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ أَوْ غَيْرَ مَطْلُوبٍ شَرْعًا، فَلَوْ فَرَضْنَا الْعَمَلَ مَعَ عَدَمِ الِاخْتِيَارِ كَالْمُلْجَأِ وَالنَّائِمِ وَالْمَجْنُونِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَهَؤُلَاءِ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِأَفْعَالِهِمْ مُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ السَّابِقَةِ، فَلَيْسَ هَذَا النَّمَطُ بِمَقْصُودٍ لِلشَّارِعِ، فَبَقِيَ مَا كَانَ مَفْعُولًا بِالِاخْتِيَارِ، لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ الْقَصْدِ، وَإِذْ ذَاكَ تَعَلَّقَتْ بِهِ الْأَحْكَامُ وَلَا يَتَخَلَّفُ عَنِ الْكُلِّيَّةِ عَمَلٌ أَلْبَتَّةَ‏.‏

وَكُلُّ مَا أُورِدَ فِي السُّؤَالِ لَا يَعْدُو هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ، فَإِنَّهُ إِمَّا مَقْصُودٌ لِمَا قُصِدَ لَهُ مِنْ رَفْعِ مُقْتَضَى الْإِكْرَاهِ أَوِ الْهَزْلِ أَوْ طَلَبِ الدَّلِيلِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَيَتَنَزَّلُ ذَلِكَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ بِالِاعْتِبَارِ وَعَدَمِهِ‏.‏

وَإِمَّا غَيْرُ مَقْصُودٍ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ عَلَى حَالٍ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ فَمِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ لَا مِنْ بَابِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ، فَالْمُمْسِكُ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ لِنَوْمٍ أَوْ غَفْلَةٍ إِنْ صَحَّحْنَا صَوْمَهُ فَمِنْ جِهَةِ خِطَابِ الْوَضْعِ، كَأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ نَفْسَ الْإِمْسَاكِ سَبَبًا فِي إِسْقَاطِ الْقَضَاءِ أَوْ فِي صِحَّةِ الصَّوْمِ شَرْعًا، لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِهِ وُجُوبًا، وَكَذَلِكَ مَا فِي مَعْنَاهُ‏.‏

وَالضَّرْبُ الثَّانِي‏:‏ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ كُلِّ فِعْلٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ ضَرُورَةِ التَّعَبُّدِيَّاتِ مِنْ حَيْثُ هِيَ تَعَبُّدِيَّاتٌ، فَإِنَّ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا الدَّاخِلَةَ تَحْتَ الِاخْتِيَارِ لَا تَصِيرُ تَعَبُّدِيَّةً إِلَّا مَعَ الْقَصْدِ إِلَى ذَلِكَ، أَمَّا مَا وُضِعَ عَلَى التَّعَبُّدِ كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِهِمَا فَلَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَأَمَّا الْعَادِيَّاتُ فَلَا تَكُونُ تَعَبُّدُيَّاتٍ إِلَّا بِالنِّيَّاتِ وَلَا يَتَخَلَّفُ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ شَيْءٌ إِلَّا النَّظَرُ الْأَوَّلُ لِعَدَمِ إِمْكَانِهِ، لَكِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ رَاجِعٌ إِلَى أَنَّ قَصْدَ التَّعَبُّدِ فِيهِ غَيْرُ مُتَوَجِّهٍ عَلَيْهِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ أَلْبَتَّةَ‏;‏ بِنَاءً عَلَى مَنْعِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ، أَمَّا تَعَلُّقُ الْوُجُوبِ بِنَفْسِ الْعَمَلِ فَلَا إِشْكَالَ فِي صِحَّتِهِ‏;‏ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ قَادِرٌ عَلَيْهِ مُتَمَكِّنٌ مِنْ تَحْصِيلِهِ بِخِلَافِ قَصْدِ التَّعَبُّدِ بِالْعَمَلِ، فَإِنَّهُ مُحَالٌ، فَصَارَ فِي عِدَادِ مَا لَا قُدْرَةَ عَلَيْهِ، فَلَمْ تَتَضَمَّنْهُ الْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى طَلَبِ هَذَا الْقَصْدِ أَوِ اعْتِبَارِهِ شَرْعًا‏.‏

وَالثَّانِي مِنْ وَجْهَيِ الْجَوَاب‏:‏ بِالْكَلَامِ عَلَى تَفَاصِيلِ مَا اعْتُرِضَ بِهِ‏.‏

فَأَمَّا الْإِكْرَاهُ عَلَى الْوَاجِبَاتِ فَمَا كَانَ مِنْهَا غَيْرَ مُفْتَقِرٍ إِلَى نِيَّةِ التَّعَبُّدِ وَقَصْدِ امْتِثَالِ الْأَمْرِ فَلَا يَصِحُّ فِيهِ عِبَادَةٌ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ حَصَلَتْ فَائِدَتُهُ، فَتَسْقُطُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ شَرْعًا كَأَخْذِ الْأَمْوَالِ مِنْ أَيْدِي الْغُصَّابِ، وَمَا افْتَقَرَ مِنْهَا إِلَى نِيَّةِ التَّعَبُّدِ فَلَا يُجْزِئُ فِعْلُهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُكْرَهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ حَتَّى يَنْوِيَ الْقُرْبَةَ، كَالْإِكْرَاهِ عَلَى الصَّلَاةِ، لَكِنَّ الْمُطَالَبَةَ تَسْقُطُ عَنْهُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ فَلَا يُطَالِبُهُ الْحَاكِمُ بِإِعَادَتِهَا‏;‏ لِأَنَّ بَاطِنَ الْأَمْرِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِلْعِبَادِ، فَلَمْ يُطَالَبُوا بِالشَّقِّ عَنِ الْقُلُوبِ‏.‏

وَأَمَّا الْأَعْمَالُ الْعَادِيَّةُ وَإِنْ لَمْ تَفْتَقِرْ فِي الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَتِهَا إِلَى نِيَّةٍ فَلَا تَكُونُ عِبَادَاتٍ وَلَا مُعْتَبَرَاتٍ فِي الثَّوَابِ إِلَّا مَعَ قَصْدِ الِامْتِثَالِ وَإِلَّا كَانَتْ بَاطِلَةً‏.‏ وَبَيَانُ بُطْلَانِهَا فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ وَمَا ذُكِرَ مِنَ الْأَعْمَالِ التَّعَبُّدِيَّةِ، فَإِنَّ الْقَائِلَ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهَا بَانٍ عَلَى أَنَّهَا كَالْعَادِيَّاتِ وَمَعْقُولَةِ الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فِيمَا كَانَ غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى، فَالطَّهَارَةُ وَالزَّكَاةُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَبِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكَفَّ قَدِ اسْتَحَقَّهُ الْوَقْتُ، فَلَا يَنْعَقِدُ لِغَيْرِهِ وَلَا يَصْرِفُهُ قَصْدُ سِوَاهُ وَلِهَذَا نَظَائِرُ فِي الْعَادِيَّاتِ كَنِكَاحِ الشِّغَارِ، فَإِنَّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مُنْعَقِدٌ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدُوهُ‏.‏

وَأَمَّا النَّذْرُ وَالْعِتْقُ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُمَا فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْقَاصِدَ لِإِيقَاعِ السَّبَبِ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلْمُسَبَّبِ لَا يَنْفَعُهُ عَدَمُ قَصْدِهِ لَهُ عَنْ وُقُوعِهِ عَلَيْهِ وَالْهَازِلُ كَذَلِكَ‏;‏ لِأَنَّهُ قَاصِدٌ لِإِيقَاعِ السَّبَبِ بِلَا شَكٍّ‏.‏

وَهُوَ فِي الْمُسَبَّبِ إِمَّا غَيْرُ قَاصِدٍ لَهُ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ، وَإِمَّا قَاصِدٌ أَنْ لَا يَقَعَ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَيَلْزَمُهُ الْمُسَبَّبُ شَاءَ أَمْ أَبَى‏.‏

وَإِذْ قُلْنَا بِعَدَمِ اللُّزُومِ فَبِنَاءً عَلَى أَنَّهُ نَاطِقٌ بِاللَّفْظِ غَيْرُ قَاصِدٍ لِمَعْنَاهُ، وَإِنَّمَا قَصَدَ مُجَرَّدَ الْهَزْلِ بِاللَّفْظِ، وَمُجَرَّدُ الْهَزْلِ لَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ حُكْمٌ إِلَّا حُكْمُ نَفْسِ الْهَزْلِ، وَهُوَ الْإِبَاحَةُ أَوْ غَيْرُهَا، وَقَدْ عُلِّلَ اللُّزُومُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ بِأَنَّ الْجِدَّ وَالْهَزْلَ أَمْرٌ بَاطِنٌ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ جِدٌّ وَمُصَاحِبٌ لِلْقَصْدِ لِإِيقَاعِ مَدْلُولِهِ، أَوْ يُقَالُ‏:‏ إِنَّهُ قَاصِدٌ بِالْعَقْدِ- الَّذِي هُوَ جِدٌّ شَرْعِيٌّ- اللَّعِبَ، فَنَاقَضَ مَقْصُودَ الشَّارِعِ، فَبَطَلَ حُكْمُ الْهَزْلِ فِيهِ، فَصَارَ إِلَى الْجِدِّ‏.‏

وَمَسْأَلَةُ رَفْضِ نِيَّةِ الصَّوْمِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ انْعَقَدَ عَلَى الصِّحَّةِ، فَالنِّيَّةُ الْأُولَى مُسْتَصْحَبَةٌ حُكْمًا حَتَّى يَقَعَ الْإِفْطَارُ الْحَقِيقِيُّ، وَهُوَ لَمْ يَكُنْ، فَصَحَّ الصَّوْمُ، وَمِثْلُهُ نِيَابَةُ رَكْعَتَيِ النَّافِلَةِ عَنِ الْفَرِيضَةِ لِأَنَّ ظَنَّ الْإِتْمَامِ لَمْ يَقْطَعْ عِنْدَ الْمُصَحِّحِ حُكْمَ النِّيَّةِ الْأُولَى، فَكَانَ السَّلَامُ بَيْنَهُمَا وَالِانْتِقَالُ إِلَى نِيَّةِ التَّنَفُّلِ لَغْوًا لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا، وَعَلَى هَذَا السَّبِيلِ تَجْرِي مَسْأَلَةُ الرَّفْضِ‏.‏

وَأَمَّا النَّظَرُ الْأَوَّلُ فَقَصْدُ التَّعَبُّدِ فِيهِ مُحَالٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ‏.‏

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ‏:‏ ‏[‏قَصْدُ الشَّارِعِ مِنَ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ فِي الْعَمَلِ مُوَافِقًا لِقَصْدِهِ فِي التَّشْرِيعِ‏]‏

قَصْدُ الشَّارِعِ مِنَ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ فِي الْعَمَلِ مُوَافِقًا لِقَصْدِهِ فِي التَّشْرِيعِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ ظَاهِرٌ مِنْ وَضْعِ الشَّرِيعَةِ، إِذْ قَدْ مَرَّ أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ وَالْمَطْلُوبُ مِنَ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى ذَلِكَ فِي أَفْعَالِهِ، وَأَنْ لَا يَقْصِدَ خِلَافَ مَا قَصَدَ الشَّارِعُ وَلِأَنَّ الْمُكَلَّفَ خُلِقَ لِعِبَادَةِ اللَّهِ وَذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى الْعَمَلِ عَلَى وَفْقِ الْقَصْدِ فِي وَضْعِ الشَّرِيعَةِ، هَذَا مَحْصُولُ الْعِبَادَةِ، فَيَنَالَ بِذَلِكَ الْجَزَاءَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ‏.‏

وَأَيْضًا فَقَدْ مَرَّ أَنَّ قَصْدَ الشَّارِعِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الضَّرُورِيَّاتِ وَمَا رَجَعَ إِلَيْهَا مِنَ الْحَاجِيَّاتِ وَالتَّحْسِينِيَّاتِ وَهُوَ عَيْنُ مَا كُلِّفَ بِهِ الْعَبْدُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا بِالْقَصْدِ إِلَى ذَلِكَ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ عَامِلًا عَلَى الْمُحَافَظَةِ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ، وَحَقِيقَةُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ خَلِيفَةَ اللَّهِ فِي إِقَامَةِ هَذِهِ الْمَصَالِحِ بِحَسَبِ طَاقَتِهِ وَمِقْدَارِ وُسْعِهِ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ خِلَافَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ عَلَى أَهْلِهِ ثُمَّ عَلَى كُلِّ مَنْ تَعَلَّقَتْ لَهُ بِهِ مَصْلَحَةٌ وَلِذَلِكَ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ‏:‏ «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»‏.‏

وَفَى الْقُرْآنِ الْكَرِيم‏:‏ ‏{‏آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ‏}‏ ‏[‏الْحَدِيد‏:‏ 7‏]‏‏.‏

وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ قَوْلُهُ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً‏}‏ ‏[‏الْبَقَرَة‏:‏ 30‏]‏‏.‏

وَقَوْلُهُ‏:‏ ‏{‏وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏الْأَعْرَاف‏:‏ 129‏]‏‏.‏

‏{‏وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ‏}‏ ‏[‏الْأَنْعَام‏:‏ 165‏]‏‏.‏

وَالْخِلَافَةُ عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ حَسَبَمَا فَسَّرَهَا الْحَدِيثُ حَيْثُ قَالَ‏:‏ «الْأَمِيرُ رَاعٍ وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»‏.‏

وَإِنَّمَا أَتَى بِأَمْثِلَةٍ تُبَيِّنُ أَنَّ الْحُكْمَ كُلِّيٌّ عَامٌّ غَيْرُ مُخْتَصٍّ فَلَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الْوِلَايَةِ عَامَّةً كَانَتْ أَوْ خَاصَّةً، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْمَطْلُوبُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا مَقَامَ مَنِ اسْتَخْلَفَهُ، يُجْرِي أَحْكَامَهُ وَمَقَاصِدَهُ مَجَارِيَهَا، وَهَذَا بَيِّنٌ‏.‏

فَصْلٌ ‏[‏في الْمَقَاصِدِ وَالتُّرُوكِ وَالْأَفْعَالِ وَالْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ‏]‏

وَإِذَا حَقَّقْنَا تَفْصِيلَ الْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُكَلَّفِ وَجَدْنَاهَا تَرْجِعُ إِلَى مَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ، وَفِي مَسْأَلَةِ دُخُولِ الْمُكَلَّفِ فِي الْأَسْبَابِ، إِذْ مَرَّ هُنَالِكَ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ، مِنْهَا يُؤْخَذُ الْقَصْدُ الْمُوَافِقُ وَالْمُخَالِفُ، فَعَلَى النَّاظِرِ هُنَا مُرَاجَعَةُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ مَا أَرَادَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ‏.‏

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ‏:‏ ‏[‏كُلُّ مَنِ ابْتَغَى فِي تَكَالِيفِ الشَّرِيعَةِ غَيْرَ مَا شُرِعَتْ لَهُ فَقَدْ نَاقَضَ‏]‏

كُلُّ مَنِ ابْتَغَى فِي تَكَالِيفِ الشَّرِيعَةِ غَيْرَ مَا شُرِعَتْ لَهُ فَقَدْ نَاقَضَ الشَّرِيعَةَ وَكُلُّ مَنْ نَاقَضَهَا فَعَمَلُهُ فِي الْمُنَاقَضَةِ بَاطِلٌ، فَمَنِ ابْتَغَى فِي التَّكَالِيفِ مَا لَمْ تُشْرَعْ لَهُ فَعَمَلُهُ بَاطِلٌ‏.‏

أَمَّا أَنَّ الْعَمَلَ الْمُنَاقِضَ بَاطِلٌ فَظَاهِرٌ، فَإِنَّ الْمَشْرُوعَاتِ إِنَّمَا وُضِعَتْ لِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ، فَإِذَا خُولِفَتْ لَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ الْأَفْعَالِ الَّتِي خُولِفَ بِهَا جَلْبُ مَصْلَحَةٍ وَلَا دَرْءُ مَفْسَدَةٍ‏.‏

وَأَمَّا أَنَّ مَنِ ابْتَغَى فِي الشَّرِيعَةِ مَا لَمْ تُوضَعْ لَهُ فَهُوَ مُنَاقِضٌ لَهَا، فَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَوْجُهٌ‏:‏

أَحَدُهَا‏:‏ أَنَّ الْأَفْعَالَ والتُّرُوكَ مِنْ حَيْثُ هِيَ أَفْعَالٌ أَوْ تُرُوكٌ مُتَمَاثِلَةٌ عَقْلًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يُقْصَدُ بِهَا، إِذْ لَا تَحْسِينَ لِلْعَقْلِ وَلَا تَقْبِيحَ، فَإِذَا جَاءَ الشَّارِعُ بِتَعْيِينِ أَحَدِ الْمُتَمَاثِلَيْنَ لِلْمَصْلَحَةِ وَتَعْيِينِ الْآخَرِ لِلْمَفْسَدَةِ فَقَدْ بَيَّنَ الْوَجْهَ الَّذِي مِنْهُ تَحْصُلُ الْمَصْلَحَةُ فَأَمَرَ بِهِ أَوْ أَذِنَ فِيهِ، وَبَيَّنَ الْوَجْهَ الَّذِي بِهِ تَحْصُلُ الْمَفْسَدَةُ فَنَهَى عَنْهُ رَحْمَةً بِالْعِبَادِ‏.‏

فَإِذَا قَصَدَ الْمُكَلَّفُ عَيْنَ مَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ بِالْإِذْنِ فَقَدْ قَصَدَ وَجْهَ الْمَصْلَحَةِ عَلَى أَتَمِّ وُجُوهِهِ، فَهُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ تَحْصُلَ لَهُ وَإِنْ قَصَدَ غَيْرَ مَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْغَالِبِ لِتَوَهُّمِ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِيمَا قَصَدَ لِأَنَّ الْعَاقِلَ لَا يَقْصِدُ وَجْهَ الْمَفْسَدَةِ كِفَاحًا، فَقَدْ جَعَلَ مَا قَصَدَ الشَّارِعُ مُهْمَلَ الِاعْتِبَارِ، وَمَا أَهْمَلَ الشَّارِعُ مَقْصُودًا مُعْتَبَرًا، وَذَلِكَ مُضَادَّةٌ لِلشَّرِيعَةِ ظَاهِرَةٌ‏.‏

وَالثَّانِي‏:‏ أَنَّ حَاصِلَ هَذَا الْقَصْدِ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّ مَا رَآهُ الشَّارِعُ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدُ هَذَا الْقَاصِدِ لَيْسَ بِحَسَنٍ، وَمَا لَمْ يَرَهُ الشَّارِعُ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَهُ حَسَنٌ، وَهَذِهِ مُضَادَّةٌ أَيْضًا‏.‏

وَالثَّالِثُ‏:‏ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى‏}‏ الْآيَةَ ‏[‏النِّسَاء‏:‏ 115‏]‏‏.‏

وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيز‏:‏ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوُلَاةُ الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ سُنَنًا، الْأَخْذُ بِهَا تَصْدِيقٌ لِكِتَابِ اللَّهِ، وَاسْتِكْمَالٌ لِطَاعَةِ اللَّهِ وَقُوَّةٌ عَلَى دِينِ اللَّهِ، مَنْ عَمِلَ بِهَا مُهْتَدٍ، وَمَنِ اسْتَنْصَرَ بِهَا مَنْصُورٌ، وَمَنْ خَالَفَهَا اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَوَلَّاهُ اللَّهُ مَا تَوَلَّى وَأَصْلَاهُ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا وَالْأَخْذُ فِي خِلَافِ مَآخِذِ الشَّارِعِ مِنْ حَيْثُ الْقَصْدُ إِلَى تَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ أَوْ دَرْءِ الْمَفْسَدَةِ مُشَاقَّةٌ ظَاهِرَةٌ‏.‏

وَالرَّابِعُ‏:‏ أَنَّ الْآخِذَ بِالْمَشْرُوعِ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الشَّارِعُ ذَلِكَ الْقَصْدَ آخِذٌ فِي غَيْرِ مَشْرُوعٍ حَقِيقَةً‏;‏ لِأَنَّ الشَّارِعَ إِنَّمَا شَرَعَهُ لِأَمْرٍ مَعْلُومٍ بِالْفَرْضِ فَإِذَا أَخَذَ بِالْقَصْدِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْأَمْرِ الْمَعْلُومِ فَلَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ الْمَشْرُوعِ أَصْلًا، وَإِذَا لَمْ يَأْتِ بِهِ نَاقَضَ الشَّارِعَ فِي ذَلِكَ الْأَخْذِ مِنْ حَيْثُ صَارَ كَالْفَاعِلِ لِغَيْرِ مَا أُمِرَ بِهِ وَالتَّارِكِ لِمَا أُمِرَ بِهِ‏.‏

وَالْخَامِسُ‏:‏ أَنَّ الْمُكَلَّفَ إِنَّمَا كُلِّفَ بِالْأَعْمَالِ مِنْ جِهَةِ قَصْدِ الشَّارِعِ بِهَا فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، فَإِذَا قَصَدَ بِهَا غَيْرَ ذَلِكَ كَانَتْ بِفَرْضِ الْقَاصِدِ وَسَائِلَ لِمَا قَصَدَ لَا مَقَاصِدَ، إِذْ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا قَصْدَ الشَّارِعِ فَتَكُونَ مَقْصُودَةً، بَلْ قَصَدَ قَصْدًا آخَرَ، جَعَلَ الْفِعْلَ أَوِ التَّرْكَ وَسِيلَةً لَهُ، فَصَارَ مَا هُوَ عِنْدَ الشَّارِعِ مَقْصُودٌ وَسِيلَةً عِنْدَهُ، وَمَا كَانَ شَأْنُهُ هَذَا نَقْضٌ لِإِبْرَامِ الشَّارِعِ وَهَدْمٌ لِمَا بَنَاهُ‏.‏

وَالسَّادِسُ‏:‏ أَنَّ هَذَا الْقَاصِدَ مُسْتَهْزِئٌ بِآيَاتِ اللَّهِ لِأَنَّ مِنْ آيَاتِهِ أَحْكَامَهُ الَّتِي شَرَعَهَا، وَقَدْ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ أَحْكَامٍ شَرَعَهَا‏:‏ ‏{‏وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا‏}‏ ‏[‏الْبَقَرَة‏:‏ 231‏]‏‏.‏

وَالْمُرَادُ أَنْ لَا يَقْصِدَ بِهَا غَيْرَ مَا شَرَعَهَا لِأَجْلِهَا وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلْمُنَافِقِينَ حَيْثُ قَصَدُوا بِإِظْهَارِ الْإِسْلَامِ غَيْرَ مَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ‏:‏ ‏{‏أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ‏}‏ ‏[‏التَّوْبَة‏:‏ 65‏]‏‏.‏

وَالِاسْتِهْزَاءُ بِمَا وُضِعَ عَلَى الْجِدِّ مُضَادَّةٌ لِحِكْمَتِهِ ظَاهِرَةٌ، وَالْأَدِلَّةُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ‏.‏

وَلِلْمَسْأَلَةِ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ كَإِظْهَارِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ قَصْدًا لِإِحْرَازِ الدَّمِ، وَالْمَالِ لَا لِإِقْرَارٍ لِلْوَاحِدِ الْحَقِّ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَالصَّلَاةِ لِيُنْظَرَ إِلَيْهِ بِعَيْنِ الصَّلَاحِ، وَالذَّبْحِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَالْهِجْرَةِ لِيَنَالَ دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةً يَنْكِحُهَا، وَالْجِهَادِ لِلْعَصَبِيَّةِ أَوْ لِيَنَالَ شَرَفَ الذِّكْرِ فِي الدُّنْيَا، وَالسَّلَفِ لِيَجُرَّ بِهِ نَفْعًا، وَالْوَصِيَّةِ بِقَصْدِ الْمُضَارَّةِ لِلْوَرَثَةِ، وَنِكَاحِ الْمَرْأَةِ لِيُحِلَّهَا لِمُطَلِّقِهَا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ‏.‏

وَقَدْ يُعْتَرَضُ هَذَا الْإِطْلَاقُ بِأَشْيَاءَ‏:‏

مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى‏;‏ كَنِكَاحِ الْهَازِلِ وَطَلَاقِهِ، وَمَا ذُكِرَ مَعَهُمَا، فَإِنَّهُ قَاصِدٌ غَيْرَ مَا قَصَدَ الشَّارِعُ بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَابُهُ، وَمِنْ ذَلِكَ الْمُكْرَهُ بِبَاطِلٍ، فَإِنَّهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَنْعَقِدُ تَصَرُّفَاتُهُ شَرْعًا فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بِالْإِقَالَةِ كَمَا تَنْعَقِدُ حَالَةُ الِاخْتِيَارِ كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالْيَمِينِ وَالنَّذْرِ، وَمَا يَحْتَمِلُ الْإِقَالَةَ يَنْعَقِدُ كَذَلِكَ، لَكِنْ مَوْقُوفًا عَلَى اخْتِيَارِ الْمُكْرَهِ وَرِضَاهُ، إِلَى مَسَائِلَ مِنْ هَذَا النَّحْوِ‏.‏

وَمِنْهَا أَنَّ الْحِيَلَ فِي رَفْعِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَتَحْلِيلِ الْمَرْأَةِ لِمُطَلِّقِهَا ثَلَاثًا وَغَيْرِ ذَلِكَ- مَقْصُودٌ بِهِ خِلَافُ مَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ، مَعَ أَنَّهَا عِنْدَ الْقَائِلِ بِهَا صَحِيحَةٌ، وَمَنْ تَتَبَّعَ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ أَلْفَى مِنْهَا مَا لَا يَنْحَصِرُ وَجَمِيعُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ الْمَشْرُوعَ إِذَا قُصِدَ بِهِ غَيْرُ مَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا‏.‏

وَالْجَوَابُ أَنَّ مَسَائِلَ الْإِكْرَاهِ إِنَّمَا قِيلَ بِانْعِقَادِهَا شَرْعًا بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا مَقْصُودَةٌ لِلشَّارِعِ بِأَدِلَّةٍ قَرَّرَهَا الْحَنَفِيَّةُ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقِرَّ أَحَدٌ بِكَوْنِ الْعَمَلِ غَيْرَ مَقْصُودٍ لِلشَّارِعِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ، ثُمَّ يُصَحِّحُهُ‏;‏ لِأَنَّ تَصْحِيحَهُ إِنَّمَا هُوَ بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ، وَالْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ أَقْرَبُ إِلَى تَفْهِيمِ مَقْصُودِ الشَّارِعِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَكَيْفَ يُقَالُ‏:‏ إِنَّ الْعَمَلَ صَحِيحٌ شَرْعًا مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، هَلْ هَذَا إِلَّا عَيْنُ الْمُحَالِ‏.‏

وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْحِيَلِ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِهَا مُطْلَقًا، فَإِنَّمَا قَالَ بِهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ لِلشَّارِعِ قَصْدًا فِي اسْتِجْلَابِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ، بَلِ الشَّرِيعَةُ لِهَذَا وُضِعَتْ فَإِذَا صَحَّحَ مَثَلًا نِكَاحَ الْمُحَلِّلِ، فَإِنَّمَا صَحَّحَهُ عَلَى فَرْضِ أَنَّهُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ مِنْ قَصْدِ الشَّارِعِ الْإِذْنُ فِي اسْتِجْلَابِ مَصْلَحَةِ الزَّوْجَيْنِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمَسَائِلِ بِدَلِيلِ صِحَّتِهِ فِي النُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ خَوْفَ الْقَتْلِ أَوِ التَّعْذِيبِ، وَفِي سَائِرِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، إِذْ لَا يُمْكِنُ إِقَامَةُ دَلِيلٍ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى إِبْطَالِ كُلِّ حِيلَةٍ كَمَا أَنَّهُ لَا يَقُومُ دَلِيلٌ عَلَى تَصْحِيحِ كُلِّ حِيلَةٍ، فَإِنَّمَا يَبْطُلُ مِنْهَا مَا كَانَ مُضَادًّا لِقَصْدِ الشَّارِعِ، خَاصَّةً وَهُوَ الَّذِي يَتَّفِقُ عَلَيْهِ جَمِيعُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَيَقَعُ الِاخْتِلَافُ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي تَتَعَارَضُ فِيهَا الْأَدِلَّةُ وَلِهَذَا مَوْضِعٌ يُذْكَرُ فِيهِ فِي هَذَا الْقِسْمِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى‏.‏

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ‏:‏ ‏[‏أَقْسَامُ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ مَعَ الْقَصْدِ‏]‏

فَاعِلُ الْفِعْلِ أَوْ تَارِكُهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فَعَلَهُ أَوْ تَرَكَهُ مُوَافِقًا أَوْ مُخَالِفًا، وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ مُوَافَقَةَ الشَّارِعِ أَوْ مُخَالَفَتَهُ‏.‏ فَالْجَمِيعُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ‏:‏

أَحَدُهَا‏:‏ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا وَقَصْدُهُ الْمُوَافَقَةُ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِهَا، يَقْصِدُ بِهَا امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَدَاءَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَوْ نُدِبَ إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ تَرْكُ الزِّنَا وَالْخَمْرِ وَسَائِرِ الْمُنْكَرَاتِ يَقْصِدُ بِذَلِكَ الِامْتِثَالَ، فَلَا إِشْكَالَ فِي صِحَّةِ هَذَا الْعَمَلِ‏.‏

وَالثَّانِي‏:‏ أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا، وَقَصْدُهُ الْمُخَالَفَةُ كَتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ وَفِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ قَاصِدًا لِذَلِكَ، فَهَذَا أَيْضًا ظَاهِرُ الْحُكْمِ‏.‏

وَالثَّالِثُ‏:‏ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ أَوِ التَّرْكُ مُوَافِقًا، وَقَصْدُهُ الْمُخَالَفَةُ، وَهُوَ ضَرْبَان‏:‏

أَحَدُهُمَا‏:‏ أَنْ لَا يَعْلَمَ بِكَوْنِ الْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ مُوَافِقًا‏.‏

وَالْآخَرُ‏:‏ أَنْ يَعْلَمَ بِذَلِكَ‏.‏

فَالْأَوَّلُ كَوَاطِئِ زَوْجَتِهِ ظَانًّا أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ وَشَارِبِ الْجُلَّابِ ظَانًّا أَنَّهُ خَمْرٌ وَتَارِكِ الصَّلَاةِ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ فِي ذِمَّتِهِ وَكَانَ قَدْ أَوْقَعَهَا وَبَرِئَ مِنْهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَهَذَا الضَّرْبُ قَدْ حَصَلَ فِيهِ قَصْدُ الْعِصْيَانِ بِالْمُخَالَفَةِ، وَيَحْكِي الْأُصُولِيُّونَ فِي هَذَا النَّحْوِ الِاتِّفَاقَ عَلَى الْعِصْيَانِ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ مَعَ ظَنِّ الْمَوْتِ قَبْلَ الْفِعْلِ وَحَصَلَ فِيهِ أَيْضًا أَنَّ مَفْسَدَةَ النَّهْيِ لَمْ تَحْصُلْ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ لِأَجْلِ مَا يَنْشَأُ عَنْهَا مِنَ الْمَفَاسِدِ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ هَذَا لَمْ يَكُنْ مِثْلَ مَنْ فَعَلَهُ فَحَصَلَتِ الْمَفْسَدَةُ، فَشَارِبُ الْجُلَّابِ لَمْ يَذْهَبْ عَقْلُهُ وَوَاطِئُ زَوْجَتِهِ لَمْ يَخْتَلِطْ نَسَبُ مَنْ خُلِقَ مِنْ مَائِهِ وَلَا لَحِقَ الْمَرْأَةَ بِسَبَبِ هَذَا الْوَطْءِ مَعَرَّةٌ، وَتَارِكُ الصَّلَاةِ لَمْ تَفُتْهُ مَصْلَحَةُ الصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمَسَائِلِ الْمُنْدَرِجَةِ تَحْتَ هَذَا الْأَصْلِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ أَوِ التَّرْكَ فِيهِ مُوَافَقَةٌ وَمُخَالَفَةٌ‏.‏

فَإِنْ قِيلَ‏:‏ فَهَلْ وَقَعَ الْعَمَلُ عَلَى الْمُوَافَقَةِ أَوِ الْمُخَالَفَةِ‏؟‏ فَإِنْ وَقَعَ عَلَى الْمُوَافَقَةِ فَمَأْذُونٌ فِيهِ، وَإِذَا كَانَ مَأْذُونًا فِيهِ فَلَا عِصْيَانَ فِي حَقِّهِ، لَكِنَّهُ عَاصٍ بِاتِّفَاقٍ، هَذَا خُلْفٌ، وَإِنْ وَقَعَ مُخَالِفًا فَهُوَ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ وَلَا عِبْرَةَ بِكَوْنِهِ مُوَافِقًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَإِذَا كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ وَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَا لَوْ كَانَ مُخَالِفًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَكَانَ يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى الْوَاطِئِ، وَالزَّجْرُ عَلَى الشَّارِبِ، وَشِبْهُ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ بِاتِّفَاقٍ أَيْضًا، هَذَا خُلْفٌ‏.‏

فَالْجَوَابُ أَنَّ الْعَمَلَ هُنَا آخِذٌ بِطَرَفٍ مِنَ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنَ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا فِي الْقَصْدِ قَدْ وَافَقَ فِي نَفْسِ الْعَمَلِ فَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى فِعْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ وَجَدْنَاهُ لَمْ تَقَعْ بِهِ مَفْسَدَةٌ وَلَا فَاتَتْ بِهِ مَصْلَحَةٌ، وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى قَصْدِهِ وَجَدْنَاهُ مُنْتَهِكًا حُرْمَةَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، فَهُوَ عَاصٍ فِي مُجَرَّدِ الْقَصْدِ غَيْرُ عَاصٍ بِمُجَرَّدِ الْعَمَلِ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُ آثِمٌ مِنْ جِهَةِ حَقِّ اللَّهِ غَيْرُ آثِمٍ مِنْ جِهَةِ حَقِّ الْآدَمِيِّ‏;‏ كَالْغَاصِبِ لِمَا يَظُنُّ أَنَّهُ مَتَاعُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ فَإِذَا هُوَ مَتَاعُ الْغَاصِبِ نَفْسِهِ، فَلَا طَلَبَ عَلَيْهِ لِمَنْ قُصِدَ الْغَصْبُ مِنْهُ وَعَلَيْهِ الطَّلَبُ مِنْ جِهَةِ حُرْمَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ كُلَّ تَكْلِيفٍ مُشْتَمِلٌ عَلَى حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْعَبْدِ‏.‏

وَلَا يُقَالُ‏:‏ إِذَا كَانَ فَوْتُ الْمَفْسَدَةِ أَوْ عَدَمُ فَوْتِ الْمَصْلَحَةِ مُسْقِطًا لِمَعْنَى الطَّلَبِ فَلْيَكُنْ كَذَلِكَ فِيمَا إِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ فَلَمْ يَذْهَبْ عَقْلُهُ، أَوْ زَنَى فَلَمْ يَتَخَلَّقْ مَاؤُهُ فِي الرَّحِمِ بِعَزْلٍ أَوْ غَيْرِهِ‏;‏ لِأَنَّ الْمُتَوَقَّعَ مِنْ ذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ حَدٌّ وَلَا يَكُونَ آثِمًا إِلَّا مِنْ جِهَةِ قَصْدِهِ، خَاصَّةً لِأَنَّا نَقُولُ‏:‏ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا الْعَامِلَ قَدْ تَعَاطَى السَّبَبَ الَّذِي تَنْشَأُ عَنْهُ الْمَفْسَدَةُ أَوْ تَفُوتُ بِهِ الْمَصْلَحَةُ، وَهُوَ الشُّرْبُ وَالْإِيلَاجُ الْمُحَرَّمَانِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَهُمَا مَظِنَّتَانِ لِلِاخْتِلَاطِ وَذَهَابِ الْعَقْلِ وَلَمْ يَضَعِ الشَّارِعُ الْحَدَّ بِإِزَاءِ زَوَالِ الْعَقْلِ أَوِ اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ، بَلْ بِإِزَاءِ تَعَاطِي أَسْبَابِهِ خَاصَّةً، وَإِلَّا فَالْمُسَبِّبَاتُ لَيْسَتْ مِنْ فِعْلِ الْمُتَسَبِّبِ وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ فِعْلِ اللَّهُ تَعَالَى، فَاللَّهُ هُوَ خَالِقُ الْوَلَدِ مِنَ الْمَاءِ، وَالسُّكْرِ عَنِ الشُّرْبِ كَالشِّبَعِ مَعَ الْأَكْلِ وَالرِّيِّ مَعَ الْمَاءِ وَالْإِحْرَاقِ مَعَ النَّارِ كَمَا تَبَيَّنَ فِي مَوْضِعِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْمُولِجُ وَالشَّارِبُ قَدْ تَعَاطَيَا السَّبَبَ عَلَى كَمَالِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِيقَاعِ مُسَبَّبهِ وَهُوَ الْحَدُّ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا جَرَى هَذَا الْمَجْرَى مِمَّا عُمِلَ فِيهِ بِالسَّبَبِ لَكِنَّهُ أَعْقَمَ، وَأَمَّا الْإِثْمُ فَعَلَى وَفْقِ ذَلِكَ‏.‏

وَهَلْ يَكُونُ فِي الْإِثْمِ مُسَاوِيًا لِمَنْ أَنْتَجَ سَبَبُهُ أَمْ لَا‏؟‏ هَذَا نَظَرٌ آخَرُ لَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِهِ هَا هُنَا‏.‏

وَالثَّانِي‏:‏ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ أَوِ التَّرْكُ مُوَافِقًا إِلَّا أَنَّهُ عَالِمٌ بِالْمُوَافَقَةِ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَصْدُهُ الْمُخَالَفَةُ، وَمِثَالُهُ‏:‏ أَنْ يُصَلِّيَ رِيَاءً لِيَنَالَ دُنْيَا أَوْ تَعْظِيمًا عِنْدَ النَّاسِ أَوْ لِيَدْرَأَ عَنْ نَفْسِهِ الْقَتْلَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَهَذَا الْقِسْمُ أَشَدُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ هَذَا الْعَامِلَ قَدْ جَعَلَ الْمَوْضُوعَاتِ الشَّرْعِيَّةَ الَّتِي جُعِلَتْ مَقَاصِدَ- وَسَائِلَ لِأُمُورٍ أُخَرَ لَمْ يَقْصِدِ الشَّارِعُ جَعْلَهَا لَهَا، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ النِّفَاقُ وَالرِّيَاءُ وَالْحِيَلُ عَلَى أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ كُلُّهُ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْقَصْدَ مُخَالِفٌ لِقَصْدِ الشَّارِعِ عَيْنًا، فَلَا يَصِحُّ جُمْلَةً، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ‏}‏ ‏[‏النِّسَاء‏:‏ 145‏]‏ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا الْمَعْنَى‏.‏

وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ‏:‏ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ أَوِ التَّرْكُ مُخَالِفًا وَالْقَصْدُ مُوَافِقًا، فَهُوَ أَيْضًا ضَرْبَان‏:‏

أَحَدُهُمَا‏:‏ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْعِلْمِ بِالْمُخَالَفَةِ‏.‏

وَالْآخَرُ‏:‏ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْجَهْلِ بِذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ مَعَ الْعِلْمِ بِالْمُخَالَفَةِ فَهَذَا هُوَ الِابْتِدَاعُ كَإِنْشَاءِ الْعِبَادَاتِ الْمُسْتَأْنَفَةِ وَالزِّيَادَاتِ عَلَى مَا شَرَّعَ وَلَكِنَّ الْغَالِبَ أَنْ لَا يُتَجَرَّأَ عَلَيْهِ إِلَّا بِنَوْعِ تَأْوِيلٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ مَذْمُومٌ حَسَبَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَالْمَوْضِعُ مُسْتَغْنٍ عَنْ إِيرَادِهِ هَا هُنَا، وَسَيَأْتِي لَهُ مَزِيدُ تَقْرِيرٍ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَالَّذِي يَتَحَصَّلُ هُنَا أَنَّ جَمِيعَ الْبِدَعِ مَذْمُومَةٌ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ‏}‏ ‏[‏الْأَنْعَام‏:‏ 159‏]‏‏.‏

وَقَوْلِه‏:‏ ‏{‏وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ‏}‏ ‏[‏الْأَنْعَام‏:‏ 153‏]‏‏.‏

وَفِي الْحَدِيث‏:‏ «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» وَهَذَا الْمَعْنَى فِي الْأَحَادِيثِ كَالْمُتَوَاتِرِ‏.‏

فَإِنْ قِيلَ‏:‏ إِنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ قَسَّمُوا الْبِدَعَ بِأَقْسَامِ الشَّرِيعَةِ، وَالْمَذْمُومُ مِنْهَا بِإِطْلَاقٍ هُوَ الْمُحَرَّمُ، وَأَمَّا الْمَكْرُوهُ فَلَيْسَ الذَّمُّ فِيهِ بِإِطْلَاقٍ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَغَيْرُ قَبِيحٍ شَرْعًا، فَالْوَاجِبُ مِنْهَا وَالْمَنْدُوبُ حَسَنٌ بِإِطْلَاقٍ وَمَمْدُوحٌ فَاعِلُهُ وَمُسْتَنْبِطُهُ، وَالْمُبَاحُ حَسَنٌ بِاعْتِبَارٍ‏.‏

فَعَلَى الْجُمْلَةِ مَنِ اسْتَحْسَنَ مِنَ الْبِدَعِ مَا اسْتَحْسَنَهُ الْأَوَّلُونَ لَا يَقُولُ‏:‏ إِنَّهَا مَذْمُومَةٌ وَلَا مُخَالِفَةٌ لِقَصْدِ الشَّارِعِ، بَلْ هِيَ مُوَافِقَةٌ أَيَّ مُوَافَقَةٍ كَجَمْعِ النَّاسِ عَلَى الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ وَالتَّجْمِيعِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ فِي الْمَسْجِدِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُحْدَثَاتِ الْحَسَنَةِ الَّتِي اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى حُسْنِهَا، أَعْنِي السَّلَفَ الصَّالِحَ وَالْمُجْتَهِدِينَ مِنَ الْأُمَّةِ، «وَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدُ اللَّهِ حَسَنٌ» فَجَمِيعُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ دَاخِلَةٌ تَحْتَ تَرْجَمَةِ الْمَسْأَلَةِ إِذْ هِيَ أَفْعَالٌ مُخَالِفَةٌ لِلشَّارِعِ‏;‏ لِأَنَّهُ لَمْ يَضَعْهَا مُقْتَرِنَةً بِقَصْدِ مُوَافِقٍ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقْصِدُوا إِلَّا الصَّلَاحَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ لَا تَكُونَ الْبِدَعُ كُلُّهَا مَذْمُومَةً، خِلَافَ الْمُدَّعَى‏.‏

فَالْجَوَابُ‏:‏ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ لَيْسَ مِمَّا وَقَعَتِ التَّرْجَمَةُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الْفِعْلَ مُخَالِفٌ لِلْفِعْلِ الَّذِي وَضَعَهُ الشَّارِعُ‏.‏ وَمَا أَحْدَثَهُ السَّلَفُ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ لَمْ يَقَعْ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا وَضَعَهُ الشَّارِعُ بِحَالٍ‏.‏ بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ جَمْعَ الْمُصْحَفِ مَثَلًا لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِالْحِفْظِ فِي الصُّدُورِ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي الْقُرْآنِ اخْتِلَافٌ يُخَافُ بِسَبَبِهِ الِاخْتِلَافُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا وَقَعَتْ فِيهِ نَازِلَتَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ كَحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَعَ هِشَامِ بْنِ حَكِيمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَقِصَّةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَفِيهِ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «لَا تُمَارُوا فِي الْقُرْآنِ فَإِنَّ الْمِرَاءَ فِيهِ كُفْرٌ»‏.‏

فَحَاصِلُ الْأَمْرِ أَنَّ جَمْعَ الْمُصْحَفِ كَانَ مَسْكُوتًا عَنْهُ فِي زَمَانِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ثُمَّ لَمَّا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الْقُرْآنِ وَكَثُرَ حَتَّى صَارَ أَحَدُهُمْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ أَنَا كَافِرٌ بِمَا تَقْرَأُ بِهِ صَارَ جَمْعُ الْمُصْحَفِ وَاجِبًا وَرَأَيًا رَشِيدًا فِي وَاقِعَةٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ بِهَا عَهْدٌ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا مُخَالَفَةٌ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ النَّظَرُ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ لَمْ تَحْدُثْ فِي الزَّمَانِ الْمُتَقَدِّمِ بِدَعَةً، وَهُوَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ، لَكِنَّ مِثْلَ هَذَا النَّظَرِ مِنْ بَابِ الِاجْتِهَادِ الْمُلَائِمِ لِقَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى الْمَصَالِحَ الْمُرْسَلَةَ وَكُلُّ مَا أَحْدَثَهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ بِوَجْهٍ وَلَيْسَ مِنَ الْمُخَالِفِ لِمَقْصِدِ الشَّارِعِ أَصْلًا، كَيْفَ وَهُوَ يَقُولُ‏:‏ مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ»، «وَلَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ» فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ مُوَافِقٌ لِقَصْدِ الشَّارِعِ، فَقَدْ خَرَجَ هَذَا الضَّرْبُ عَنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْفِعْلُ أَوِ التَّرْكُ مُخَالِفًا لِلشَّارِعِ، وَأَمَّا الْبِدْعَةُ الْمَذْمُومَةُ فَهِيَ الَّتِي خَالَفَتْ مَا وَضَعَ الشَّارِعُ مِنَ الْأَفْعَالِ أَوِ التُّرُوكِ، وَسَيَأْتِي تَقْرِيرُ هَذَا الْمَعْنَى بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ‏.‏

وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ الْمُخَالِفُ مَعَ الْجَهْلِ بِالْمُخَالَفَةِ فَلَهُ وَجْهَان‏:‏

أَحَدُهُمَا‏:‏ كَوْنُ الْقَصْدِ مُوَافِقًا، فَلَيْسَ بِمُخَالِفٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَالْعَمَلِ وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا فَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَنِيَّةُ هَذَا الْعَامِلِ عَلَى الْمُوَافَقَةِ، لَكِنَّ الْجَهْلَ أَوْقَعَهُ فِي الْمُخَالَفَةِ، وَمَنْ لَا يَقْصِدُ مُخَالَفَةَ الشَّارِعِ كِفَاحًا لَا يَجْرِي مَجْرَى الْمُخَالِفِ بِالْقَصْدِ وَالْعَمَلِ مَعًا، فَعَمَلُهُ بِهَذَا النَّظَرِ مَنْظُورٌ فِيهِ عَلَى الْجُمْلَةِ لَا مُطَّرَحٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ‏.‏

وَالثَّانِي‏:‏ كَوْنُ الْعَمَلِ مُخَالِفًا، فَإِنَّ قَصْدَ الشَّارِعِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ الِامْتِثَالُ، فَإِذَا لَمْ يَمْتَثِلْ فَقَدْ خُولِفَ قَصْدُهُ وَلَا يُعَارِضُ الْمُخَالِفَةَ مُوَافَقَةُ الْقَصْدِ الْبَاعِثِ عَلَى الْعَمَلِ‏;‏ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ قَصْدُ الشَّارِعِ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ عَلَى وَجْهِهِ وَلَا طَابَقَ الْقَصْدَ الْعَمَلُ، فَصَارَ الْمَجْمُوعُ مُخَالِفًا كَمَا لَوْ خُولِفَ فِيهِمَا مَعًا، فَلَا يَحْصُلُ الِامْتِثَالُ‏.‏

وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ يُعَارِضُ الْآخَرَ فِي نَفْسِهِ وَيُعَارِضُهُ فِي التَّرْجِيحِ لِأَنَّكَ إِنْ رَجَّحْتَ أَحَدَهُمَا عَارَضَكَ فِي الْآخَرِ وَجْهٌ مُرَجَّحٌ، فَيَتَعَارَضَانِ أَيْضًا وَلِذَلِكَ صَارَ هَذَا الْمَحَلُّ غَامِضًا فِي الشَّرِيعَةِ، وَيَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِإِيرَادِ شَيْءٍ مِنَ الْبَحْثِ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّكَ إِذَا رَجَّحْتَ جِهَةَ الْقَصْدِ الْمُوَافِقِ بِأَنَّ الْعَامِلَ مَا قَصَدَ قَطُّ إِلَّا الِامْتِثَالَ وَالْمُوَافَقَةَ وَلَمْ يَنْتَهِكْ حُرْمَةً لِلشَّارِعِ بِذَلِكَ الْقَصْدِ، عَارَضَكَ أَنَّ قَصْدَ الْمُوَافَقَةِ مُقَيَّدٌ بِالِامْتِثَالِ الْمَشْرُوعِ لَا بِمُخَالَفَتِهِ، وَإِنْ كَانَ مُقَيَّدًا فَقَصْدُ الْمُكَلَّفِ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا، فَهُوَ كَالْعَبَثِ، وَأَيْضًا إِذَا لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا صَارَ غَيْرَ مُوَافِقٍ‏;‏ لِأَنَّ الْقَصْدَ فِي الْأَعْمَالِ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ عَلَى الِانْفِرَادِ‏.‏

فَإِنْ قُلْتَ‏:‏ إِنَّ الْقَصْدَ قَدْ ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ قَبْلَ الشَّرَائِعِ كَمَا ذُكِرَ عَمَّنْ آمَنَ فِي الْفَتَرَاتِ وَأَدْرَكَ التَّوْحِيدَ وَتَمَسَّكَ بِأَعْمَالٍ يَعْبُدُ اللَّهَ بِهَا وَهَى غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ إِذْ لَمْ تَثْبُتْ فِي شَرْعٍ بَعْدُ‏.‏

قِيلَ لَكَ‏:‏ إِنْ فُرِضَ أُولَئِكَ فِي زَمَانِ فَتْرَةٍ لَمْ يَتَمَسَّكُوا بِشَرِيعَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ فَالْمَقَاصِدُ الْمَوْجُودَةُ لَهُمْ مَنَازِعُ فِي اعْتِبَارِهَا بِإِطْلَاقٍ فَإِنَّهَا كَأَعْمَالِهِمُ الْمَقْصُودِ بِهَا التَّعَبُّدُ، فَإِنْ قُلْتَ بِاعْتِبَارِ الْقَصْدِ كَيْفَ كَانَ لَزِمَ ذَلِكَ فِي الْأَعْمَالِ، وَإِنْ قُلْتَ بِعَدَمِ اعْتِبَارِ الْأَعْمَالِ لَزِمَ ذَلِكَ فِي الْقَصْدِ، وَأَيْضًا فَكَلَامُنَا فِيمَا بَعْدَ الشَّرَائِعِ لَا فِيمَا قَبْلَهَا، وَإِنْ فَرَضْنَا أَنَّ مَنْ نُقِلَ عَنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْفَتَرَاتِ كَانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِبَعْضِ الشَّرَائِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَذَلِكَ وَاضِحٌ، فَإِنْ قِيلَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ‏:‏ «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» يُبَيِّنُ أَنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ، وَإِنْ خَالَفَتْ قَدْ تُعْتَبَرُ، فَإِنَّ الْمَقَاصِدَ أَرْوَاحُ الْأَعْمَالِ، فَقَدْ صَارَ الْعَمَلُ ذَا رُوحٍ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ اعْتُبِرَ بِخِلَافِ مَا إِذَا خَالَفَ الْقَصْدُ وَوَافَقَ الْعَمَلُ، أَوْ خَالَفَا مَعًا، فَإِنَّهُ جَسَدٌ بِلَا رُوحٍ، فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُقْتَضَى قَوْلِه‏:‏ «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» لِعَدَمِ النِّيَّةِ فِي الْعَمَلِ‏.‏

قِيلَ‏:‏ إِنْ سُلِّمَ فَمُعَارَضٌ بُقُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ‏:‏ «كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» وَهَذَا الْعَمَلُ لَيْسَ بِمُوَافِقٍ لِأَمْرِهِ- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام- فَلَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا، بَلْ كَانَ مَرْدُودًا‏.‏

وَأَيْضًا فَإِذَا لَمْ يُنْتَفَعُ بِجَسَدٍ بِلَا رُوحٍ كَذَلِكَ لَا يُنْتَفَعُ بِرُوحٍ فِي غَيْرِ جَسَدٍ‏;‏ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ هُنَا قَدْ فُرِضَتْ مُخَالِفَةً، فَهِيَ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ، فَبَقِيَتِ النِّيَّةُ مُنْفَرِدَةً فِي حُكْمٍ عَمَلِيٍّ، فَلَا اعْتِبَارَ بِهَا، وَتَكْثُرُ الْمُعَارَضَاتُ فِي هَذَا مِنَ الْجَانِبَيْنِ فَكَانَتِ الْمَسْأَلَةُ مُشْكِلَةً جِدًّا، وَمِنْ هُنَا صَارَ فَرِيقٌ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ إِلَى تَغْلِيبِ جَانِبِ الْقَصْدِ فَتَلَافَوْا مِنَ الْعِبَادَاتِ مَا يَجِبُ تَلَافِيهِ وَصَحَّحُوا الْمُعَامَلَاتِ، وَمَالَ فَرِيقٌ إِلَى الْفَسَادِ بِإِطْلَاقٍ، وَأَبْطَلُوا كُلَّ عِبَادَةٍ، أَوْ مُعَامَلَةٍ خَالَفَتِ الشَّارِعَ مَيْلًا إِلَى جَانِبِ الْعَمَلِ الْمُخَالِفِ، وَتَوَسَّطَ فَرِيقٌ فَأَعْمَلُوا الطَّرَفَيْنِ عَلَى الْجُمْلَةِ لَكِنْ عَلَى أَنْ يُعْمَلَ مُقْتَضَى الْقَصْدِ فِي وَجْهٍ، وَيُعْمَلُ مُقْتَضَى الْفِعْلِ فِي وَجْهٍ آخَرَ وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى إِعْمَالِ الْجَانِبَيْنِ أُمُورٌ‏.‏

أَحَدُهَا‏:‏ أَنَّ مُتَنَاوِلَ الْمُحَرَّمِ غَيْرَ عَالِمٍ بِالتَّحْرِيمِ قَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ مُوَافَقَةُ الْقَصْدِ إِذْ لَمْ يَتَلَبَّسْ إِلَّا بِمَا اعْتَقَدَ إِبَاحَتَهُ، وَمُخَالَفَةُ الْفِعْلِ‏;‏ لِأَنَّهُ فَاعِلٌ لِمَا نُهِيَ عَنْهُ فَأُعْمِلَ مُقْتَضَى الْمُوَافَقَةِ فِي إِسْقَاطِ الْحَدِّ وَالْعُقُوبَةِ، وَأُعْمِلَ مُقْتَضَى الْمُخَالَفَةِ فِي عَدَمِ الْبِنَاءِ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَعَدَمِ الِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ حَتَّى صُحِّحَ مَا يَجِبُ أَنْ يُصَحَّحَ مِمَّا فِيهِ تَلَافٍ مَيْلًا فِيهِ إِلَى جِهَةِ الْقَصْدِ أَيْضًا، وَأُهْمِلُ مَا يَجِبُ أَنْ يُهْمَلَ مِمَّا لَا تَلَافِيَ فِيهِ‏.‏

فَقَدِ اجْتَمَعَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اعْتِبَارُ الطَّرَفَيْنِ بِمَا يَلِيقُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَالْمَرْأَةِ يَتَزَوَّجُهَا رَجُلَانِ وَلَا يَعْلَمُ الْآخَرُ بِتَقَدُّمِ نِكَاحِ غَيْرِهِ إِلَّا بَعْدَ بِنَائِهِ بِهَا، فَقَدْ فَاتَتْ بِمُقْتَضَى فَتْوَى عُمَرَ، وَمُعَاوِيَةَ وَالْحَسَنِ وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَنَظِيرُهَا فِي مَسْأَلَةِ الْمَفْقُودِ إِذَا تَزَوَّجَتِ امْرَأَتُهُ ثُمَّ قَدِمَ فَالْأَوَّلُ أَوْلَى بِهَا قَبْلَ نِكَاحِهَا، وَالثَّانِي أَوْلَى بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا، وَفِيمَا بَعْدَ الْعَقْدِ، وَقَبْلَ الْبِنَاءِ قَوْلَانِ، وَفِي الْحَدِيث‏:‏ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا أَصَابَ مِنْهَا»، وَعَلَى هَذَا يَجْرِي بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَبَابُ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ فِي تَشَعُّبِ مَسَائِلِهَا‏.‏

وَالثَّانِي‏:‏ أَنَّ عُمْدَةَ مَذْهَبِ مَالِكٍ، بَلْ عُمْدَةُ مَذَاهِبِ الصَّحَابَةِ اعْتِبَارُ الْجَهْلِ فِي الْعِبَادَاتِ اعْتِبَارَ النِّسْيَانِ عَلَى الْجُمْلَةِ فَعَدُّوا مَنْ خَالَفَ فِي الْأَفْعَالِ، أَوِ الْأَقْوَالِ جَهْلًا عَلَى حُكْمِ النَّاسِي وَلَوْ كَانَ الْمُخَالِفُ فِي الْأَفْعَالِ دُونَ الْقَصْدِ مُخَالِفًا عَلَى الْإِطْلَاقِ لَعَامَلُوهُ مُعَامَلَةَ الْعَامِدِ كَمَا يَقُولُهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وَمَنْ وَافَقَهُ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَهَذَا وَاضِحٌ فِي أَنَّ لِلْقَصْدِ الْمُوَافِقِ أَثَرًا، وَهُوَ بَيِّنٌ فِي الطِّهَارَاتِ وَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَكَذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْعَادَاتِ كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ، وَغَيْرِهَا‏.‏

وَلَا يُقَالُ‏:‏ إِنَّ هَذَا يَنْكَسِرُ فِي الْأُمُورِ الْمَالِيَّةِ فَإِنَّهَا تُضَمَّنُ فِي الْجَهْلِ وَالْعَمْدِ‏;‏ لِأَنَّا نَقُولُ‏:‏ الْحُكْمُ فِي التَّضْمِينِ فِي الْأَمْوَالِ آخَرُ‏;‏ لِأَنَّ الْخَطَأَ فِيهَا مُسَاوٍ لِلْعَمْدِ فِي تَرَتُّبِ الْغُرْمِ فِي إِتْلَافِهَا‏.‏

وَالثَّالِثُ‏:‏ الْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى رَفْعِ الْخَطَأِ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَفِي الْكِتَاب‏:‏ ‏{‏وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ‏}‏ ‏[‏الْأَحْزَاب‏:‏ 5‏]‏‏.‏

وَقَالَ‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا‏}‏ ‏[‏الْبَقَرَة‏:‏ 286‏]‏‏.‏

وَفِي الْحَدِيث‏:‏ قَالَ قَدْ فَعَلْتُ»‏.‏

وَقَالَ‏:‏ ‏{‏لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا‏}‏ ‏[‏الْبَقَرَة‏:‏ 286‏]‏‏.‏

وَفِي الْحَدِيث‏:‏ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»‏.‏

وَهُوَ مَعْنًى مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ لَا مُخَالِفَ فِيهِ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِيمَا تَعَلَّقَ بِهِ رَفْعُ الْمُؤَاخَذَةِ هَلْ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالْمُؤَاخَذَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ خَاصَّةً أَمْ لَا‏؟‏ فَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَيْضًا أَنَّ رَفْعَ الْمُؤَاخَذَةِ بِإِطْلَاقٍ لَا يَصِحُّ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ظَهَرَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الطَّرَفَيْنِ مُعْتَبَرٌ عَلَى الْجُمْلَةِ مَا لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ مِنْ خَارِجٍ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ‏.‏

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ‏:‏ ‏[‏أَقْسَامُ جَلْبِ الْمَصْلَحَةِ أَوْ دَفْعِ الْمَفْسَدَةِ الْمَأْذُونِ فِيهَا‏]‏

جَلْبُ الْمَصْلَحَةِ، أَوْ دَفْعُ الْمَفْسَدَةِ إِذَا كَانَ مَأْذُونًا فِيهِ عَلَى ضَرْبَيْن‏:‏

أَحَدُهُمَا‏:‏ أَنْ لَا يَلْزَمَ عَنْهُ إِضْرَارُ الْغَيْرِ‏.‏

وَالثَّانِي‏:‏ أَنْ يَلْزَمَ عَنْهُ ذَلِكَ، وَهَذَا الثَّانِي ضَرْبَان‏:‏

أَحَدُهُمَا‏:‏ أَنْ يَقْصِدَ الْجَالِبُ، أَوِ الدَّافِعُ ذَلِكَ الْإِضْرَارِ كَالْمُرَخِّصِ فِي سِلْعَتِهِ قَصْدًا لِطَلَبِ مَعَاشِهِ وَصَحِبَهُ قَصْدُ الْإِضْرَارِ بِالْغَيْرِ‏.‏

وَالثَّانِي‏:‏ أَنْ لَا يَقْصِدَ إِضْرَارًا بِأَحَدٍ، وَهُوَ قِسْمَان‏:‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ أَنْ يَكُونَ الْإِضْرَارُ عَامًّا كَتَلَقِّي السِّلَعِ، وَبَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي وَالِامْتِنَاعِ مِنْ بَيْعِ دَارِهِ، أَوْ فَدَّانِهِ، وَقَدِ اضْطَرَّ إِلَيْهِ النَّاسُ لِمَسْجِدٍ جَامِعٍ، أَوْ غَيْرِهِ‏.‏

وَالثَّانِي‏:‏ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا، وَهُوَ نَوْعَان‏:‏

أَحَدُهُمَا‏:‏ أَنْ يَلْحَقَ الْجَالِبَ، أَوِ الدَّافِعَ بِمَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ ضَرَرٌ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى فِعْلِهِ كَالدَّافِعِ عَنْ نَفْسِهِ مُظْلَمَةً يَعْلَمُ أَنَّهَا تَقَعُ بِغَيْرِهِ، أَوْ يَسْبِقُ إِلَى شِرَاءِ طَعَامٍ، أَوْ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، أَوْ إِلَى صَيْدٍ، أَوْ حَطَبٍ، أَوْ مَاءٍ، أَوْ غَيْرِهِ عَالِمًا أَنَّهُ إِذَا حَازَهُ اسْتَضَرَّ غَيْرُهُ بِعَدَمِهِ وَلَوْ أُخِذَ مِنْ يَدِهِ اسْتَضَرَّ‏.‏

وَالثَّانِي‏:‏ أَنْ لَا يَلْحَقُهُ بِذَلِكَ ضَرَرٌ، وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ‏:‏

أَحَدُهَا‏:‏ مَا يَكُونُ أَدَاؤُهُ إِلَى الْمَفْسَدَةِ قَطْعِيًّا أَعْنِي الْقَطْعَ الْعَادِيَّ كَحَفْرِ الْبِئْرِ خَلْفَ بَابِ الدَّارِ فِي الظَّلَامِ بِحَيْثُ يَقَعُ الدَّاخِلُ فِيهِ بِلَا بُدٍّ، وَشِبْهِ ذَلِكَ‏.‏

وَالثَّانِي‏:‏ مَا يَكُونُ أَدَاؤُهُ إِلَى الْمَفْسَدَةِ نَادِرًا كَحَفْرِ الْبِئْرِ بِمَوْضِعٍ لَا يُؤَدِّي غَالِبًا إِلَى وُقُوعِ أَحَدٍ فِيهِ، وَأَكْلِ الْأَغْذِيَةِ الَّتِي غَالِبُهَا أَنْ لَا تَضُرَّ أَحَدًا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ‏.‏

وَالثَّالِثُ‏:‏ مَا يَكُونُ أَدَاؤُهُ إِلَى الْمَفْسَدَةِ كَثِيرًا لَا نَادِرًا، وَهُوَ عَلَى وَجْهَيْن‏:‏

أَحَدُهُمَا‏:‏ أَنْ يَكُونَ غَالِبًا كَبَيْعِ السِّلَاحِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَالْعِنَبِ مِنَ الْخَمَّارِ، وَمَا يُغَشُّ بِهِ مِمَّنْ شَأْنُهُ الْغِشُّ، وَنَحْوِ ذَلِكَ‏.‏

وَالثَّانِي‏:‏ أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا لَا غَالِبًا كَمَسَائِلِ بُيُوعِ الْآجَالِ فَهَذِهِ ثَمَانِيَةُ أَقْسَامٍ‏:‏

فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَبَاقٍ عَلَى أَصْلِهِ مِنَ الْإِذْنِ وَلَا إِشْكَالَ فِيهِ وَلَا حَاجَةَ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ لِثُبُوتِ الدَّلِيلِ عَلَى الْإِذْنِ ابْتِدَاءً‏.‏

وَأَمَّا الثَّانِي، فَلَا إِشْكَالَ فِي مَنْعِ الْقَصْدِ إِلَى الْإِضْرَارِ مِنْ حَيْثُ هُوَ إِضْرَارٌ لِثُبُوتِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنْ لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَامِ لَكِنْ يَبْقَى النَّظَرُ فِي هَذَا الْعَمَلِ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ قَصْدُ نَفْعِ النَّفْسِ، وَقَصْدُ إِضْرَارِ الْغَيْر‏:‏ هَلْ يُمْنَعُ مِنْهُ فَيَصِيرُ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ أَمْ يَبْقَى عَلَى حُكْمِهِ الْأَصْلِيِّ مِنَ الْإِذْنِ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ إِثْمُ مَا قُصِدَ‏؟‏ هَذَا مِمَّا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْخِلَافُ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَهُوَ جَارٍ عَلَى مَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَيَحْتَمِلُ فِي الِاجْتِهَادِ تَفْصِيلًا‏:‏

وَهُوَ أَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ إِذَا رُفِعَ ذَلِكَ الْعَمَلُ وَانْتَقَلَ إِلَى وَجْهٍ آخَرَ فِي اسْتِجْلَابِ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ، أَوْ دَرْءِ تِلْكَ الْمَفْسَدَةِ حَصَلَ لَهُ مَا أَرَادَ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَلَا إِشْكَالَ فِي مَنْعِهِ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ الْوَجْهَ إِلَّا لِأَجْلِ الْإِضْرَارِ فَلْيُنْقَلْ عَنْهُ وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ كَمَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ إِذَا لَمْ يَقْصِدْ غَيْرَ الْإِضْرَارِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَحِيصٌ عَنْ تِلْكَ الْجِهَةِ الَّتِي يَسْتَضِرُّ مِنْهَا الْغَيْرُ فَحَقُّ الْجَالِبِ، أَوِ الدَّافِعِ مُقَدَّمٌ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ قَصْدِ الْإِضْرَارِ وَلَا يُقَالُ‏:‏ إِنَّ هَذَا تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا كُلِّفَ بِنَفْيِ قَصْدِ الْإِضْرَارِ، وَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ الْكَسْبِ لَا يَنْفِي الْإِضْرَارَ بِعَيْنِهِ‏.‏

وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَلْزَمَ مِنْ مَنْعِهِ الْإِضْرَارُ بِهِ بِحَيْثُ لَا يَنْجَبِرُ أَوْ لَا، فَإِنْ لَزِمَ قُدِّمَ حَقُّهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ عَلَى تَنَازُعٍ يُضْعِفُ مُدْرِكَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ التُّرْسِ الَّتِي فَرَضَهَا الْأُصُولِيُّونَ فِيمَا إِذَا تَتَرَّسَ الْكُفَّارُ بِمُسْلِمٍ، وَعُلِمَ أَنَّ التُّرْسَ إِذَا لَمْ يُقْتَلِ اسْتُؤْصِلَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ أَمْكَنَ انْجِبَارُ الْإِضْرَارِ وَرَفْعُهُ جُمْلَةً فَاعْتِبَارُ الضَّرَرِ الْعَامِّ أَوْلَى فَيُمْنَعُ الْجَالِبُ، أَوِ الدَّافِعُ مِمَّا هَمَّ بِهِ‏;‏ لِأَنَّ الْمَصَالِحَ الْعَامَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمَصَالِحِ الْخَاصَّةِ بِدَلِيلِ النَّهْيِ عَنْ تَلَقِّي السِّلَعِ، وَعَنْ بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي وَاتِّفَاقِ السَّلَفِ عَلَى تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ فِيهِمُ الْأَمَانَةُ، وَقَدْ زَادُوا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِهِ مِمَّا رَضِيَ أَهْلُهُ، وَمَا لَا، وَذَلِكَ يَقْضِي بِتَقْدِيمِ مَصْلَحَةِ الْعُمُومِ عَلَى مَصْلَحَةِ الْخُصُوصِ لَكِنْ بِحَيْثُ لَا يَلْحَقُ الْخُصُوصَ مَضَرَّةٌ‏.‏

وَأَمَّا الرَّابِعُ فَإِنَّ الْمَوْضِعَ فِي الْجُمْلَةِ يَحْتَمِلُ نَظَرَيْن‏:‏ نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ إِثْبَاتِ الْحُظُوظِ، وَنَظَرٌ مِنْ جِهَةِ إِسْقَاطِهَا، فَإِنِ اعْتَبَرْنَا الْحُظُوظَ، فَإِنَّ حَقَّ الْجَالِبِ، أَوِ الدَّافِعِ مُقَدَّمٌ، وَإِنِ اسْتَضَرَّ غَيْرُهُ بِذَلِكَ‏;‏ لِأَنَّ جَلْبَ الْمَنْفَعَةِ، أَوْ دَفْعَ الْمَضَرَّةَ مَطْلُوبٌ لِلشَّارِعِ مَقْصُودٌ وَلِذَلِكَ أُبِيحَتِ الْمَيْتَةُ، وَغَيْرُهَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الْأَكْلِ، وَأُبِيحَ الدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ إِلَى أَجَلٍ لِلْحَاجَةِ الْمَاسَّةِ لِلْمُقْرِضِ وَالتَّوْسِعَةِ عَلَى الْعِبَادِ، وَالرُّطَبُ بِالْيَابِسِ فِي الْعَرِيَّةِ لِلْحَاجَةِ الْمَاسَّةِ فِي طَرِيقِ الْمُوَاسَاةِ، إِلَى أَشْيَاءَ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرَةٍ دَلَّتِ الْأَدِلَّةُ عَلَى قَصْدِ الشَّارِعِ إِلَيْهَا، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَمَا سَبَقَ إِلَيْهِ الْإِنْسَانُ مِنْ ذَلِكَ قَدْ ثَبَتَ حَقُّهُ فِيهِ شَرْعًا بِحَوْزِهِ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَسَبْقُهُ إِلَيْهِ لَا مُخَالَفَةَ فِيهِ لِلشَّارِعِ فَصَحَّ، وَبِذَلِكَ ظَهَرَ أَنَّ تَقْدِيمَ حَقِّ الْمَسْبُوقِ عَلَى حَقِّ السَّابِقِ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ شَرْعًا إِلَّا مَعَ إِسْقَاطِ السَّابِقِ لِحَقِّهِ، وَذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ، بَلْ قَدْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ حَقُّ نَفْسِهِ فِي الضَّرُورِيَّاتِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ خِيرَةٌ فِي إِسْقَاطِ حَقِّهِ لِأَنَّهُ مِنْ حَقِّهِ عَلَى بَيِّنَةٍ، وَمِنْ حَقِّ غَيْرِهِ عَلَى ظَنٍّ أَوْ شَكٍّ، وَذَلِكَ فِي دَفْعِ الضَّرَرِ وَاضِحٌ، وَكَذَلِكَ فِي جَلْبِ الْمَصْلَحَةِ إِنْ كَانَ عَدَمُهَا يُضَرُّ بِهِ‏.‏

وَقَدْ سُئِلَ الدَّاوُدِيُّ‏:‏ هَلْ تَرَى لِمَنْ قَدَرَ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ غُرْمِ هَذَا الَّذِي يُسَمَّى بِالْخَرَاجِ إِلَى السُّلْطَانِ أَنْ يَفْعَلَ‏؟‏ قَالَ‏:‏ نَعَمْ وَلَا يَحِلُّ لَهُ إِلَّا ذَلِكَ‏.‏ قِيلَ‏:‏ لَهُ، فَإِنْ وَضَعَهُ السُّلْطَانُ عَلَى أَهْلِ بَلْدَةٍ، وَأَخَذَهُمْ بِمَالٍ مَعْلُومٍ يُؤَدُّونَهُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ هَلْ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْخَلَاصِ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَفْعَلَ، وَهُوَ إِذَا تَخَلَّصَ أُخِذَ سَائِرُ أَهْلِ الْبَلَدِ بِتَمَامِ مَا جُعِلَ عَلَيْهِمْ‏؟‏ قَالَ‏:‏ ذَلِكَ لَهُ، قَالَ‏:‏ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي السَّاعِي يَأْخُذُ مِنْ غَنَمِ أَحَدِ الْخُلَطَاءِ شَاةً وَلَيْسَ فِي جَمِيعِهَا نِصَابٌ‏:‏ إِنَّهُ مَظْلَمَةٌ دَخَلَتْ عَلَى مَنْ أُخِذَتْ مِنْهُ لَا يَرْجِعُ مَنْ أُخِذَتْ مِنْهُ عَلَى أَصْحَابِهِ بِشَيْءٍ، قَالَ‏:‏ وَلَسْتُ بِآخِذٍ فِي هَذَا بِمَا رُوِيَ عَنْ سَحْنُونٍ؛ لِأَنَّ الظُّلْمَ لَا أُسْوَةَ فِيهِ وَلَا يَلْزَمُ أَحَدًا أَنْ يُولِجَ نَفْسَهُ فِي ظُلْمٍ مَخَافَةَ أَنْ يُوضَعَ الظُّلْمُ عَلَى غَيْرِهِ وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ‏}‏ ‏[‏الشُّورَى‏:‏ 42‏]‏ هَذَا مَا قَالَ‏.‏

وَرَأَيْتُ فِي بَعْضِ الْمَنْقُولَاتِ نَحْوَ هَذَا عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَطْرَحَهُ عَنْ نَفْسِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ يَطْرَحُهُ عَلَى غَيْرِهِ إِذَا كَانَ الْمَطْرُوحُ جَوْرًا بَيِّنًا‏.‏

وَذَكَرَ عَبْدُ الْغَنِيِّ فِي الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ‏:‏ قُلْتُ لِحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ‏:‏ إِنِّي أَتَكَلَّمُ فَتُرْفَعُ عَنِّي النَّوْبَةُ، فَإِذَا رُفِعَتْ عَنِّي وُضِعَتْ عَلَى غَيْرِي فَقَالَ‏:‏ إِنَّمَا عَلَيْكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي نَفْسِكَ، فَإِذَا رُفِعَتْ عَنْكَ، فَلَا تُبَالِي عَلَى مَنْ وُضِعَتْ‏.‏

وَمِنْ ذَلِكَ الرِّشْوَةُ عَلَى دَفْعِ الظُّلْمِ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَفْعِهِ إِلَّا بِذَلِكَ، وَإِعْطَاءُ الْمَالِ لِلْمُحَارِبِينَ وَلِلْكُفَّارِ فِي فِدَاءِ الْأُسَارَى وَلِمَانِعِي الْحَاجِّ حَتَّى يُؤَدُّوا خَرَاجًا، كُلُّ ذَلِكَ انْتِفَاعٌ، أَوْ دَفْعُ ضَرَرٍ بِتَمْكِينٍ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ طَلَبُ فَضِيلَةِ الْجِهَادِ مَعَ أَنَّهُ تَعَرُّضٌ لِمَوْتِ الْكَافِرِ عَلَى الْكُفْرِ، أَوْ قَتْلِ الْكَافِرِ الْمُسْلِمَ، بَلْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ‏:‏ «وَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ» الْحَدِيثَ‏.‏

وَلَازِمُ ذَلِكَ دُخُولُ قَاتِلِهِ النَّارَ، وَقَوْلُ أَحَدِ ابْنَيْ آدَمَ‏:‏ ‏{‏إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ‏}‏ ‏[‏الْمَائِدَة‏:‏ 29‏]‏، بَلْ الْعُقُوبَاتُ كُلُّهَا جَلْبُ مَصْلَحَةٍ، أَوْ دَرْءُ مَفْسَدَةٍ يَلْزَمُ عَنْهَا إِضْرَارُ الْغَيْرِ إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إِلْغَاءٌ لِجَانِبٍ الْمَفْسَدَةِ‏;‏ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَقْصُودَةٍ لِلشَّارِعِ فِي شَرْعِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ وَلِأَنَّ جَانِبَ الْجَالِبِ وَالدَّافِعِ أَوْلَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا قَبْلُ‏.‏

فَإِنْ قِيلَ‏:‏ هَذَا يُشْكِلُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَسَائِلِ، فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ الْمُقَرَّرَةَ أَنْ لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»، وَمَا تَقَدَّمَ وَاقِعٌ فِيهِ الضَّرَرُ، فَلَا يَكُونُ مَشْرُوعًا بِمُقْتَضَى هَذَا الْأَصْلِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ إِكْرَاهُ صَاحِبِ الطَّعَامِ عَلَى إِطْعَامِ الْمُضْطَرِّ إِمَّا بَعِوَضٍ، وَإِمَّا مَجَّانًا مَعَ أَنَّ صَاحِبَ الطَّعَامِ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ، وَقَدْ أُخِذَ مِنْ يَدِهِ قَهْرًا لَمَّا كَانَ إِمْسَاكُهُ مُؤَدِّيًا إِلَى إِضْرَارِ الْمُضْطَرِّ، وَكَذَلِكَ إِخْرَاجُ الْإِمَامِ الطَّعَامَ مِنْ يَدِ مُحْتَكِرِهِ قَهْرًا لَمَّا صَارَ مَنْعُهُ مُؤَدِّيًا لِإِضْرَارِ الْغَيْرِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ‏.‏

فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ لَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّ إِضْرَارَ الْغَيْرِ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَالْأُصُولِ الْمُقَرَّرَةِ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ فِي الْإِذْنِ، وَإِنَّمَا الْإِذْنُ لِمُجَرَّدِ جَلْبِ الْجَالِبِ، وَدَفْعِ الدَّافِعِ، وَكَوْنُهُ يَلْزَمُ عَنْهُ إِضْرَارٌ أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ مُقْتَضَى الْإِذْنِ‏.‏

وَأَيْضًا فَقَدْ تَعَارَضَ هُنَالِكَ إِضْرَارَان‏:‏ إِضْرَارُ صَاحِبِ الْيَدِ وَالْمِلْكِ وَإِضْرَارُ مَنْ لَا يَدَ لَهُ وَلَا مِلْكَ وَالْمَعْلُومُ مِنَ الشَّرِيعَةِ تَقْدِيمُ صَاحِبِ الْيَدِ وَالْمِلْكِ وَلَا يُخَالَفُ فِي هَذَا عِنْدَ الْمُزَاحَمَةِ عَلَى الْحُقُوقِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِذْنَ مِنْ حَيْثُ هُوَ إِذْنٌ لَمْ يَسْتَلْزِمِ الْإِضْرَارَ، وَكَيْفَ، وَمِنْ شَأْنِ الشَّارِعِ أَنْ يَنْهَى عَنْهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إِذَا قَصَدَ الْجَالِبُ، أَوِ الدَّافِعُ الْإِضْرَارَ أَثِمَ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى مَا فَعَلَ، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَقْصِدِ الْإِضْرَارَ، بَلْ عَنِ الْإِضْرَارِ نَهَى، وَهُوَ الْإِضْرَارُ بِصَاحِبِ الْيَدِ وَالْمِلْكِ‏.‏

وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْمُضْطَرِّ، فَهِيَ شَاهِدٌ لَنَا‏;‏ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى الطَّعَامِ لَيْسَ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ بِعَيْنِهِ حَاجَةً يَضُرُّ بِهِ عَدَمُهَا، وَإِلَّا فَلَوْ فَرَضْتَهُ كَذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ إِكْرَاهُهُ، وَهُوَ عَيْنُ مَسْأَلَةِ النِّزَاعِ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ عَلَى الْبَذْلِ مَنْ لَا يَسْتَضِرُّ بِهِ فَافْهَمْهُ، وَأَمَّا الْمُحْتَكِرُ، فَإِنَّهُ خَاطِئٌ بِاحْتِكَارِهِ مُرْتَكِبٌ لِلنَّهْيِ مُضِرٌّ بِالنَّاسِ، فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَدْفَعَ إِضْرَارَهُ بِالنَّاسِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَسْتَضِرُّ هُوَ بِهِ‏.‏

وَأَيْضًا فَهُوَ مِنَ الْقِسْمِ الثَّالِثِ الَّذِي يُحْكَمُ فِيهِ عَلَى الْخَاصَّةِ لِأَجْلِ الْعَامَّةِ‏.‏

هَذَا كُلُّهُ مَعَ اعْتِبَارِ الْحُظُوظِ، وَإِنْ لَمْ نَعْتَبِرْهَا فَيُتَصَوَّرُ هُنَا وَجْهَان‏:‏

أَحَدُهُمَا‏:‏ إِسْقَاطُ الِاسْتِبْدَادِ وَالدُّخُولُ فِي الْمُوَاسَاةِ عَلَى سَوَاءٍ، وَهُوَ مَحْمُودٌ جِدًّا، وَقَدْ فُعِلَ ذَلِكَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ‏:‏ «إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ، فَهُمْ مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُمْ»، وَذَلِكَ أَنَّ مُسْقِطَ الْحَظِّ هُنَا قَدْ رَأَى غَيْرَهُ مِثْلَ نَفْسِهِ، وَكَأَنَّهُ هُوَ أَخُوهُ، أَوِ ابْنُهُ، أَوْ قَرِيبُهُ، أَوْ يَتِيمُهُ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّنْ طُلِبَ بِالْقِيَامِ عَلَيْهِ نَدْبًا، أَوْ وُجُوبًا، وَأَنَّهُ قَائِمٌ فِي خَلْقِ اللَّهِ بِالْإِصْلَاحِ وَالنَّظَرِ وَالتَّسْدِيدِ، فَهُوَ عَلَى ذَلِكَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، فَإِذَا صَارَ كَذَلِكَ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِاحْتِجَانِ لِنَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ مِثْلُهُ، بَلْ مِمَّنْ أُمِرَ بِالْقِيَامِ عَلَيْهِ كَمَا أَنَّ الْأَبَ الشَّفِيقَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِانْفِرَادِ بِالْقُوتِ دُونَ أَوْلَادِهِ، فَعَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ كَانَ الْأَشْعَرِيُّونَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ‏:‏ «فَهُمْ مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُمْ» لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ فِي هَذَا الْمَعْنَى الْإِمَامَ الْأَعْظَمَ، وَفِي الشَّفَقَةِ الْأَبَ الْأَكْبَرَ إِذْ كَانَ لَا يَسْتَبِدُّ بِشَيْءٍ دُونَ أُمَّتِهِ‏.‏

وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ‏:‏ «بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ قَالَ‏:‏ فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا، وَشَمَالًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ قَالَ‏:‏ فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ»‏.‏

وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا‏:‏ «إِنَّ فِي الْمَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ»، وَمَشْرُوعِيَّةُ الزَّكَاةِ وَالْإِقْرَاضِ وَالْعَرِيَّةِ وَالْمِنْحَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مُؤَكِّدٌ لِهَذَا الْمَعْنَى وَجَمِيعُهُ جَارٍ عَلَى أَصْلِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَهُوَ لَا يَقْتَضِي اسْتِبْدَادًا، وَعَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ لَا يَلْحَقُ الْعَامِلَ ضَرَرٌ إِلَّا بِمِقْدَارِ مَا يَلْحَقُ الْجَمِيعَ، أَوْ أَقَلَّ وَلَا يَكُونُ مُوقِعًا عَلَى نَفْسِهِ ضَرَرًا نَاجِزًا، وَإِنَّمَا هُوَ مُتَوَقَّعٌ، أَوْ قَلِيلٌ يَحْتَمِلُهُ فِي دَفْعِ بَعْضِ الضَّرَرِ عَنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ نَظَرُ مَنْ يَعُدُّ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُمْ شَيْئًا وَاحِدًا عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِه‏:‏ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ‏:‏ الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ الْمَرْصُوصِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»، وَقَوْلِه‏:‏ «الْمُؤْمِنُونَ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»، وَقَوْلِه‏:‏ «الْمُؤْمِنُ يُحِبُّ لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» وَسَائِرُ مَا فِي الْمَعْنَى مِنَ الْأَحَادِيثِ إِذْ لَا يَكُونُ شَدُّ الْمُؤْمِنِ لِلْمُؤْمِنِ عَلَى التَّمَامِ إِلَّا بِهَذَا الْمَعْنَى، وَأَسْبَابِهِ، وَكَذَلِكَ لَا يَكُونُونَ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِلَّا إِذَا كَانَ النَّفْعُ وَارِدًا عَلَيْهِمْ عَلَى السَّوَاءِ كُلُّ أَحَدٍ بِمَا يَلِيقُ بِهِ كَمَا أَنَّ كُلَّ عُضْوٍ مِنَ الْجَسَدِ يَأْخُذُ مِنَ الْغِذَاءِ بِمِقْدَارِهِ قِسْمَةَ عَدْلٍ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ فَلَوْ أَخَذَ بَعْضُ الْأَعْضَاءِ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، أَوْ أَقَلَّ لَخَرَجَ عَنِ اعْتِدَالِهِ، وَأَصْلُ هَذَا مِنَ الْكِتَابِ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنَّ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، وَمَا أُمِرُوا بِهِ مِنَ اجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ وَالْأُخُوَّةِ، وَتَرْكِ الْفُرْقَةِ، وَهُوَ كَثِيرٌ‏;‏ إِذْ لَا يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ إِلَّا بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَأَشْبَاهِهَا مِمَّا يَرْجِعُ إِلَيْهَا‏.‏

وَالْوَجْهُ الثَّانِي‏:‏ الْإِيثَارُ عَلَى النَّفْسِ، وَهُوَ أَعْرَقُ فِي إِسْقَاطِ الْحُظُوظِ، وَذَلِكَ أَنْ يَتْرُكَ حَظَّهُ لِحَظِّ غَيْرِهِ اعْتِمَادًا عَلَى صِحَّةِ الْيَقِينِ، وَإِصَابَةً لَعِينِ التَّوَكُّلِ، وَتَحَمُّلًا لِلْمَشَقَّةِ فِي عَوْنِ الْأَخِ فِي اللَّهِ عَلَى الْمَحَبَّةِ مِنْ أَجْلِهِ، وَهُوَ مِنْ مَحَامِدِ الْأَخْلَاقِ، وَزَكِيَّاتِ الْأَعْمَالِ، وَهُوَ ثَابِتٌ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمِنْ خُلُقِهِ الْمَرْضِيِّ، وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَأَجْوَدُ مَا كَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَكَانَ إِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ»‏.‏

وَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ‏:‏ إِنَّكَ تَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، «وَحُمِلَ إِلَيْهِ تِسْعُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَوُضِعَتْ عَلَى حَصِيرٍ ثُمَّ قَامَ إِلَيْهَا يُقَسِّمُهَا فَمَا رَدَّ سَائِلًا حَتَّى فَرَغَ مِنْهُ وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ‏:‏ مَا عِنْدِي شَيْءٌ وَلَكِنِ ابْتَعْ عَلَيَّ، فَإِذَا جَاءَنَا شَيْءٌ قَضَيْنَاهُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ‏:‏ مَا كَلَّفَكَ اللَّهُ مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَكَرِهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَار‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْفِقْ وَلَا تَخَفْ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالًا، فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعُرِفَ الْبِشْرُ فِي وَجْهِهِ، وَقَالَ‏:‏ بِهَذَا أُمِرْتُ» ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ أَنَسٌ‏:‏ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ‏.‏ وَهَذَا كَثِيرٌ‏.‏

وَهَكَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ، وَقَدْ عَلِمْتَ مَا جَاءَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا‏}‏ ‏[‏الْإِنْسَان‏:‏ 8‏]‏، وَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ فِي قَوْلِه‏:‏ ‏{‏وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ‏}‏ ‏[‏الْحَشْر‏:‏ 9‏]‏، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي بَاب الْأَسْبَابِ مِنْ كِتَابِ الْأَحْكَامِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْعَمَلِ عَلَى إِسْقَاطِ الْحُظُوظِ، وَهُوَ ضَرْبَان‏:‏

إِيثَارٌ بِالْمِلْكِ مِنَ الْمَالِ، وَبِالزَّوْجَةِ بِفِرَاقِهَا لِتَحِلَّ لِلْمُؤْثَرِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْمُؤَاخَاةِ الْمَذْكُورِ فِي الصَّحِيحِ‏.‏

وَإِيثَارٌ بِالنَّفْسِ كَمَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ تَرَّسَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَطَلَّعُ لِيَرَى الْقَوْمَ، فَيَقُولُ لَهُ أَبُو طَلْحَةَ‏:‏ لَا تُشْرِفْ يَا رَسُولَ اللَّهِ يُصِيبُكَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْقَوْمِ، نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ، وَوَقَى بِيَدِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشُلَّتْ، وَهُوَ مَعْلُومٌ مِنْ فِعْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؛ إِذْ كَانَ فِي غَزْوِهِ أَقْرَبَ النَّاسِ إِلَى الْعَدُوِّ وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَيْلَةً فَانْطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاجِعًا قَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ، وَقَدِ اسْتَبْرَأَ الْخَبَرَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عَرِيٍّ وَالسَّيْفُ فِي عُنُقِهِ، وَهُوَ يَقُولُ‏:‏ «لَنْ تُرَاعُوا»، وَهَذَا فِعْلُ مَنْ آثَرَ بِنَفْسِهِ، وَحَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي مَبِيتِهِ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏;‏ إِذْ عَزَمَ الْكُفَّارُ عَلَى قَتْلِهِ مَشْهُورٌ‏.‏

وَفِي الْمَثَلِ السَّائِر‏:‏ وَالْجُودُ بِالنَّفْسِ أَقْصَى غَايَةِ الْجُودِ، وَمِنَ الصُّوفِيَّةِ مَنْ يُعَرِّفُ الْمَحَبَّةَ بِأَنَّهَا الْإِيثَارُ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ فِي يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ‏{‏أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ‏}‏ ‏[‏يُوسُفَ‏:‏ 51‏]‏ فَآثَرَتْهُ بِالْبَرَاءَةِ عَلَى نَفْسِهَا‏.‏

قَالَ النَّوَوِيُّ‏:‏ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى فَضِيلَةِ الْإِيثَارِ بِالطَّعَامِ، وَنَحْوِهِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، وَحُظُوظِ النَّفْسِ بِخِلَافِ الْقُرُبَاتِ، فَإِنَّ الْحَقَّ فِيهَا لِلَّهِ‏.‏

وَهَذَا مَعَ مَا قَبْلَهُ عَلَى مَرَاتِبَ وَالنَّاسُ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفُونَ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ فِي الِاتِّصَافِ بِأَوْصَافِ التَّوَكُّلِ الْمَحْضِ وَالْيَقِينِ التَّامِّ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبِلَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ جَمِيعَ مَالِهِ، وَمِنْ عُمَرَ النِّصْفَ وَرَدَّ أَبَا لُبَابَةَ، وَكَعْبَ بْنَ مَالِكٍ إِلَى الثُّلُثِ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيّ‏:‏ لِقُصُورِهِمَا عَنْ دَرَجَتَيْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ‏.‏ هَذَا مَا قَالَ‏.‏

وَتَحَصَّلَ أَنَّ الْإِيثَارَ هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى إِسْقَاطِ الْحُظُوظِ الْعَاجِلَةِ فَتَحَمُّلُ الْمَضَرَّةِ اللَّاحِقَةِ بِسَبَبِ ذَلِكَ لَا عَتْبَ فِيهِ إِذَا لَمْ يُخِلَّ بِمَقْصِدٍ شَرْعِيٍّ، فَإِنْ أَخَلَّ بِمَقْصِدٍ شَرْعِيٍّ فَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ إِسْقَاطًا لِلْحَظِّ وَلَا هُوَ مَحْمُودٌ شَرْعًا أَمَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَحْمُودٍ شَرْعًا فَلِأَنَّ إِسْقَاطَ الْحُظُوظِ إِمَّا لِمُجَرَّدِ أَمْرِ الْآمِرِ، وَإِمَّا لِأَمْرٍ آخَرَ، أَوْ لِغَيْرِ شَيْءٍ فَكَوْنُهُ لِغَيْرِ شَيْءٍ عَبَثٌ لَا يَقَعُ مِنَ الْعُقَلَاءِ، وَكَوْنُهُ لِأَمْرِ الْآمِرِ يُضَادُّ كَوْنَهُ مُخِلًّا بِمَقْصِدٍ شَرْعِيٍّ‏;‏ لِأَنَّ الْإِخْلَالَ بِذَلِكَ لَيْسَ بِأَمْرِ الْآمِرِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهُوَ مُخَالِفٌ لَهُ، وَمُخَالَفَةُ أَمْرِ الْآمِرِ ضِدُّ الْمُوَافَقَةِ لَهُ فَثَبَتَ أَنَّهُ لِأَمْرٍ ثَالِثٍ، وَهُوَ الْحَظُّ، وَقَدْ مَرَّ بَيَانُ الْحَصْرِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ مَسْأَلَةِ إِسْقَاطِ الْحُظُوظِ‏.‏ هَذَا تَمَامُ الْكَلَامِ فِي الْقِسْمِ الرَّابِعِ، وَمِنْهُ يُعْرَفُ حُكْمُ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِسْقَاطِ الْحُظُوظِ‏.‏

وَأَمَّا الْقِسْمُ الْخَامِسُ، وَهُوَ أَنْ لَا يَلْحَقَ الْجَالِبَ، أَوِ الدَّافِعَ ضَرَرٌ وَلَكِنْ أَدَاؤُهُ إِلَى الْمَفْسَدَةِ قَطْعِيٌّ عَادَةً فَلَهُ نَظَرَان‏:‏

نَظَرٌ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ قَاصِدًا لِمَا يَجُوزُ أَنْ يُقْصَدَ شَرْعًا مِنْ غَيْرِ قَصْدِ إِضْرَارٍ بِأَحَدٍ، فَهَذَا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ جَائِزٌ لَا مَحْظُورَ فِيهِ‏.‏

وَنَظَرٌ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ عَالِمًا بِلُزُومِ مَضَرَّةِ الْغَيْرِ لِهَذَا الْعَمَلِ الْمَقْصُودِ مَعَ عَدَمِ اسْتِضْرَارِهِ بِتَرْكِهِ، فَإِنَّهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مَظِنَّةٌ لِقَصْدِ الْإِضْرَارِ‏;‏ لِأَنَّهُ فِي فِعْلِهِ إِمَّا فَاعِلٌ لِمُبَاحٍ صِرْفٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِهِ مَقْصِدٌ ضَرُورِيٌّ وَلَا حَاجِيٌّ وَلَا تَكْمِيلِيٌّ، فَلَا قَصْدَ لِلشَّارِعِ فِي إِيقَاعِهِ مِنْ حَيْثُ يُوقَعُ، وَإِمَّا فَاعِلٌ لِمَأْمُورٍ بِهِ عَلَى وَجْهٍ يَقَعُ فِيهِ مَضَرَّةٌ مَعَ إِمْكَانِ فِعْلِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَلْحَقُ فِيهِ مَضَرَّةٌ وَلَيْسَ لِلشَّارِعِ قَصْدٌ فِي وُقُوعِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَلْحَقُ بِهِ الضَّرَرُ دُونَ الْآخَرِ‏.‏

وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ فَتَوَخِّيهِ لِذَلِكَ الْفِعْلِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ مَعَ الْعِلْمِ بِالْمَضَرَّةِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْن‏:‏

إِمَّا تَقْصِيرٌ فِي النَّظَرِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ، وَإِمَّا قَصْدٌ إِلَى نَفْسِ الْإِضْرَارِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ أَيْضًا فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ، لَكِنْ إِذَا فَعَلَهُ فَيُعَدُّ مُتَعَدِّيًا بِفِعْلِهِ، وَيُضَمَّنُ ضَمَانَ الْمُتَعَدِّي عَلَى الْجُمْلَةِ، وَيُنْظَرُ فِي الضَّمَانِ بِحَسَبِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِكُلِّ نَازِلَةٍ وَلَا يُعَدُّ قَاصِدًا لَهُ أَلْبَتَّةَ إِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ قَصْدُهُ لِلتَّعَدِّي، وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ تَجْرِي مَسْأَلَةُ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ وَالذَّبْحِ بِالسِّكِّينِ الْمَغْصُوبَةِ، وَمَا لَحِقَ بِهَا مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي هِيَ فِي أَصْلِهَا مَأْذُونٌ فِيهَا، وَيَلْزَمُ عَنْهَا إِضْرَارُ الْغَيْرِ وَلِأَجْلِ هَذَا تَكُونُ الْعِبَادَةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ صَحِيحَةً مُجْزِئَةً وَالْعَمَلُ الْأَصْلِيُّ صَحِيحًا، وَيَكُونُ عَاصِيًا بِالطَّرَفِ الْآخَرِ، وَضَامِنًا إِنْ كَانَ ثَمَّ ضَمَانٌ وَلَا تَضَادَّ فِي الْأَحْكَامِ لِتَعَدُّدِ جِهَاتِهَا، وَمَنْ قَالَ‏:‏ هُنَالِكَ بِالْفَسَادِ يَقُولُ بِهِ هُنَا وَلَهُ فِي النَّظَرِ الْفِقْهِيِّ مَجَالٌ رَحْبٌ يَرْجِعُ ضَابِطُهُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى هَذَا مِنْ جِهَةِ إِثْبَاتِ الْحُظُوظِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَصْحَابَ إِسْقَاطِهَا لَا يَدْخُلُونَ تَحْتَ عَمَلٍ هَذَا شَأْنُهُ أَلْبَتَّةَ‏.‏

وَأَمَّا السَّادِسُ، وَهُوَ مَا يَكُونُ أَدَاؤُهُ إِلَى الْمَفْسَدَةِ نَادِرًا فَهُوَ عَلَى أَصْلِهِ مِنَ الْإِذْنِ‏;‏ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ إِذَا كَانَتْ غَالِبَةً، فَلَا اعْتِبَارَ بِالنُّدُورِ فِي انْخِرَامِهَا‏;‏ إِذْ لَا تُوجَدُ فِي الْعَادَةِ مَصْلَحَةٌ عَرِيَّةٌ عَنِ الْمَفْسَدَةِ جُمْلَةً إِلَّا أَنَّ الشَّارِعَ إِنَّمَا اعْتَبَرَ فِي مَجَارِي الشَّرْعِ غَلَبَةَ الْمَصْلَحَةِ وَلَمْ يَعْتَبِرْ نَدُورَ الْمَفْسَدَةِ إِجْرَاءً لِلشَّرْعِيَّاتِ مَجْرَى الْعَادِيَّاتِ فِي الْوُجُودِ وَلَا يُعَدُّ هُنَا قَصْدُ الْقَاصِدِ إِلَى جَلْبِ الْمَصْلَحَةِ، أَوْ دَفْعِ الْمَفْسَدَةِ مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِنُدُورِ الْمَضَرَّةِ عَنْ ذَلِكَ تَقْصِيرًا فِي النَّظَرِ وَلَا قَصْدًا إِلَى وُقُوعِ الضَّرَرِ فَالْعَمَلُ إِذًا بَاقٍ عَلَى أَصْلِ الْمَشْرُوعِيَّةِ‏.‏

وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ ضَوَابِطَ الْمَشْرُوعَاتِ هَكَذَا وَجَدْنَاهَا كَالْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ فِي الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالْفُرُوجِ مَعَ إِمْكَانِ الْكَذِبِ وَالْوَهْمِ وَالْغَلَطِ، وَإِبَاحَةِ الْقَصْرِ فِي الْمَسَافَةِ الْمَحْدُودَةِ مَعَ إِمْكَانِ عَدَمِ الْمَشَقَّةِ كَالْمَلِكِ الْمُتَرَفِّهِ، وَمَنْعِهِ فِي الْحَضَرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَوِي الصَّنَائِعِ الشَّاقَّةِ، وَكَذَلِكَ إِعْمَالُ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالْأَقْيِسَةِ الْجُزْئِيَّةِ فِي التَّكَالِيفِ مَعَ إِمْكَانِ إِخْلَافِهَا وَالْخَطَأِ فِيهَا مِنْ وُجُوهٍ، لَكِنَّ ذَلِكَ نَادِرٌ فَلَمْ يُعْتَبَرْ وَاعْتُبِرَتِ الْمَصْلَحَةُ الْغَالِبَةُ، وَهَذَا مُقَرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ‏.‏

وَأَمَّا السَّابِعُ، وَهُوَ مَا يَكُونُ أَدَاؤُهُ إِلَى الْمَفْسَدَةِ ظَنِّيًّا فَيَحْتَمِلُ الْخِلَافَ، أَمَّا أَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ وَالْإِذْنُ فَظَاهِرٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي السَّادِسِ، وَأَمَّا أَنَّ الضَّرَرَ وَالْمَفْسَدَةَ تَلْحَقُ ظَنًّا فَهَلْ يَجْرِي الظَّنُّ مَجْرَى الْعِلْمِ فَيُمْنَعُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ أَمْ لَا لِجَوَازِ تَخَلُّفِهِمَا، وَإِنْ كَانَ التَّخَلُّفُ نَادِرًا‏؟‏ وَلَكِنَّ اعْتِبَارَ الظَّنِّ هُوَ الْأَرْجَحُ لِأُمُورٍ‏:‏

أَحَدُهَا‏:‏ أَنَّ الظَّنَّ فِي أَبْوَابِ الْعَمَلِيَّاتِ جَارٍ مَجْرَى الْعِلْمِ فَالظَّاهِرُ جَرَيَانُهُ هُنَا‏.‏

وَالثَّانِي‏:‏ أَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ مِنْ سَدِّ الذَّرَائِعِ دَاخِلٌ فِي هَذَا الْقِسْمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ‏}‏ ‏[‏الْأَنْعَام‏:‏ 108‏]‏ فَإِنَّهُمْ قَالُوا‏:‏ لَتَكُفَّنَّ عَنْ سَبِّ آلِهَتِنَا، أَوْ لَنَسُبَّنَّ إِلَهَكَ، فَنَزَلَتْ‏.‏

وَفِي الصَّحِيح‏:‏ «إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ شَتْمَ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ قَالُوا‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلْ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ‏؟‏ قَالَ‏:‏ نَعَمْ يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ»، وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَكُفُّ عَنْ قَتْلِ الْمُنَافِقِينَ‏;‏ لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إِلَى قَوْلِ الْكُفَّارِ إِنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ، وَنَهَى اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏{‏رَاعِنَا‏}‏ ‏[‏الْبَقَرَة‏:‏ 104‏]‏ مَعَ قَصْدِهِمُ الْحَسَنِ لِاتِّخَاذِ الْيَهُودِ لَهَا ذَرِيعَةً إِلَى شَتْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَذَلِكَ كَثِيرٌ كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى حُكْمِ أَصْلِهِ، وَقَدْ أُلْبِسَ حُكْمُ مَا هُوَ ذَرِيعَةٌ إِلَيْهِ‏.‏

وَالثَّالِثُ‏:‏ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي التَّعَاوُنِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ أَنَّ الظَّنَّ بِالْمَفْسَدَةِ وَالضَّرَرِ لَا يَقُومُ مَقَامَ الْقَصْدِ إِلَيْهِ فَالْأَصْلُ الْجَوَازُ مِنَ الْجَلْبِ، أَوِ الدَّفْعِ، وَقَطْعُ النَّظَرِ عَنِ اللَّوَازِمِ الْخَارِجِيَّةِ إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ تُسَبِّبُ مَفْسَدَةً مِنْ بَابِ الْحِيَلِ، أَوْ مِنْ بَابِ التَّعَاوُنِ مُنِعَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ لَا مِنْ جِهَةِ الْأَصْلِ، فَإِنَّ الْمُتَسَبِّبَ لَمْ يَقْصِدْ إِلَّا مَصْلَحَةَ نَفْسِهِ، فَإِنْ حُمِلَ مَحْمَلَ التَّعَدِّي فَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مَظِنَّةٌ لِلْقَصْدِ أَوْ مَظِنَّةٌ لِلتَّقْصِيرِ، وَهُوَ أَخْفَضُ رُتْبَةً مِنَ الْقِسْمِ الْخَامِسِ وَلِذَلِكَ وَقَعَ الْخِلَافُ فِيه‏:‏ هَلْ تَقُومُ مَظِنَّةُ الشَّيْءِ مَقَامَ نَفْسِ الْقَصْدِ إِلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ أَمْ لَا‏؟‏ هَذَا نَظَرُ إِثْبَاتِ الْحُظُوظِ، وَأَمَّا نَظَرُ إِسْقَاطِهَا فَأَصْحَابُهُ فِي هَذَا الْقِسْمِ مِثْلُهُمْ فِي الْقِسْمِ الْخَامِسِ بِخِلَافِ الْقِسْمِ السَّادِسِ، فَإِنَّهُ لَا قُدْرَةَ لِلْإِنْسَانِ عَلَى الِانْفِكَاكِ عَنْهُ عَادَةً‏.‏

وَأَمَّا الثَّامِنُ، وَهُوَ مَا يَكُونُ أَدَاؤُهُ إِلَى الْمَفْسَدَةِ كَثِيرًا لَا غَالِبًا وَلَا نَادِرًا فَهُوَ مَوْضِعُ نَظَرٍ وَالْتِبَاسٍ وَالْأَصْلُ فِيهِ الْحَمْلُ عَلَى الْأَصْلِ مِنْ صِحَّةِ الْإِذْنِ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَغَيْرِهِ وَلِأَنَّ الْعِلْمَ وَالظَّنَّ بِوُقُوعِ الْمَفْسَدَةِ مُنْتَفِيَانِ‏;‏ إِذْ لَيْسَ هُنَا إِلَّا احْتِمَالٌ مُجَرَّدٌ بَيْنَ الْوُقُوعِ، وَعَدَمِهِ وَلَا قَرِينَةَ تُرَجِّحُ أَحَدَ الْجَانِبَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، وَاحْتِمَالُ الْقَصْدِ لِلْمَفْسَدَةِ وَالْإِضْرَارِ لَا يَقُومُ مَقَامَ نَفْسِ الْقَصْدِ وَلَا يَقْتَضِيهِ لِوُجُودِ الْعَوَارِضِ مِنَ الْغَفْلَةِ، وَغَيْرِهَا عَنْ كَوْنِهَا مَوْجُودَةً، أَوْ غَيْرَ مَوْجُودَةٍ‏.‏

وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُعَدَّ الْجَالِبُ، أَوِ الدَّافِعُ هُنَا مُقَصِّرًا وَلَا قَاصِدًا كَمَا فِي الْعِلْمِ وَالظَّنِّ‏;‏ لِأَنَّهُ لَيْسَ حَمْلُهُ عَلَى الْقَصْدِ إِلَيْهِمَا أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى عَدَمِ الْقَصْدِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالتَّسَبُّبُ الْمَأْذُونُ فِيهِ قَوِيٌّ جِدًّا إِلَّا أَنَّ مَالِكًا اعْتَبَرَهُ فِي سَدِّ الذَّرَائِعِ بِنَاءً عَلَى كَثْرَةِ الْقَصْدِ وُقُوعًا، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَصْدَ لَا يَنْضَبِطُ فِي نَفْسِهِ‏;‏ لِأَنَّهُ مِنَ الْأُمُورِ الْبَاطِنَةِ، لَكِنْ لَهُ مَجَالٌ هُنَا، وَهُوَ كَثْرَةُ الْوُقُوعِ فِي الْوُجُودِ، أَوْ هُوَ مَظِنَّةُ ذَلِكَ، فَكَمَا اعْتُبِرَتِ الْمَظِنَّةُ، وَإِنْ صَحَّ التَّخَلُّفُ كَذَلِكَ تُعْتَبَرُ الْكَثْرَةُ‏;‏ لِأَنَّهَا مَجَالُ الْقَصْدِ وَلِهَذَا أَصْلٌ، وَهُوَ حَدِيثُ أُمِّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ‏.‏

وَأَيْضًا فَقَدْ يُشْرَعُ الْحُكْمُ لِعِلَّةٍ مَعَ كَوْنِ فَوَاتِهَا كَثِيرًا كَحَدِّ الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ لِلزَّجْرِ، وَالِازْدِجَارُ بِهِ كَثِيرٌ لَا غَالِبٌ، فَاعْتَبَرْنَا الْكَثْرَةَ فِي الْحُكْمِ بِمَا هُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، فَالْأَصْلُ عِصْمَةُ الْإِنْسَانِ عَنِ الْإِضْرَارِ بِهِ، وَإِيلَامِهِ، كَمَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي مَسْأَلَتِنَا الْإِذْنُ، فَخَرَجَ عَنِ الْأَصْلِ هُنَالِكَ لِحِكْمَةِ الزَّجْرِ، وَخَرَجَ عَنِ الْأَصْلِ هُنَا مِنَ الْإِبَاحَةِ لِحِكْمَةِ سَدِّ الذَّرِيعَةِ إِلَى الْمَمْنُوعِ‏.‏

وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا الْقِسْمَ مُشَارِكٌ لِمَا قَبْلَهُ فِي وُقُوعِ الْمَفْسَدَةِ بِكَثْرَةٍ، فَكَمَا اعْتُبِرَتْ فِي الْمَنْعِ هُنَاكَ فَلْتُعْتَبَرْ هُنَا كَذَلِكَ‏.‏

وَأَيْضًا فَقَدْ جَاءَ فِي هَذَا الْقِسْمِ مِنَ النُّصُوصِ كَثِيرٌ، فَقَدْ نَهَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ، وَعَنْ شُرْبِ النَّبِيذِ بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَعَنِ الِانْتِبَاذِ فِي الْأَوْعِيَةِ الَّتِي لَا يُعْلَمُ بِتَخْمِيرِ النَّبِيذِ فِيهَا، وَبَيَّنَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنْ بَعْضِ ذَلِكَ لِئَلَّا يُتَّخَذَ ذَرِيعَةً، فَقَالَ‏:‏ «لَوْ رَخَّصْتُ فِي هَذِهِ لَأَوْشَكَ أَنَّ تَجْعَلُوهَا مِثْلَ هَذِهِ» يَعْنِي أَنَّ النُّفُوسَ لَا تَقِفُ عِنْدَ الْحَدِّ الْمُبَاحِ فِي مِثْلِ هَذَا، وَوُقُوعُ الْمَفْسَدَةِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ لَيْسَتْ بِغَالِبَةٍ فِي الْعَادَةِ، وَإِنْ كَثُرَ وُقُوعُهَا‏.‏

وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْخَلْوَةَ بِالْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَأَنْ تُسَافِرَ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ، وَنَهَى عَنْ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ، وَعَنِ الصَّلَاةِ إِلَيْهَا، وَعَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَعَمَّتِهَا، أَوْ خَالَتِهَا، وَقَالَ‏:‏ إِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَطَّعْتُمْ أَرْحَامَكُمْ»، وَحَرَّمَ نِكَاحَ مَا فَوْقَ الْأَرْبَعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ لَا تَعُولُوا‏}‏ ‏[‏النِّسَاء‏:‏ 3‏]‏، وَحُرِّمَتْ خِطْبَةُ الْمُعْتَدَّةِ تَصْرِيحًا، وَنِكَاحُهَا، وَحَرَّمَ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ الطِّيبَ وَالزِّينَةَ، وَسَائِرَ دَوَاعِي النِّكَاحِ، وَكَذَلِكَ الطِّيبُ، وَعَقْدُ النِّكَاحِ لِلْمُحْرِمِ، وَنَهَى عَنِ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ، وَعَنْ هَدِيَّةِ الْمِدْيَانِ، وَعَنْ مِيرَاثِ الْقَاتِلِ، وَعَنْ تَقَدُّمِ شَهْرِ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ، أَوْ يَوْمَيْنِ، وَحَرَّمَ صَوْمَ يَوْمِ عِيدِ الْفِطْرِ، وَنَدَبَ إِلَى تَعْجِيلِ الْفِطْرِ، وَتَأْخِيرِ السُّحُورِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ ذَرِيعَةٌ، وَفِي الْقَصْدِ إِلَى الْإِضْرَارِ وَالْمَفْسَدَةِ فِيهِ كَثْرَةٌ وَلَيْسَ بِغَالِبٍ وَلَا أَكْثَرِيٍّ وَالشَّرِيعَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الِاحْتِيَاطِ وَالْأَخْذِ بِالْحَزْمِ وَالتَّحَرُّزِ مِمَّا عَسَى أَنْ يَكُونَ طَرِيقًا إِلَى مَفْسَدَةٍ، فَإِذَا كَانَ هَذَا مَعْلُومًا عَلَى الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ، فَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ بِبِدْعٍ فِي الشَّرِيعَةِ، بَلْ هُوَ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِهَا رَاجِعٌ إِلَى مَا هُوَ مُكَمِّلٌ إِمَّا لِضَرُورِيٍّ، أَوْ حَاجِيٍّ، أَوْ تَحْسِينِيٍّ وَلَعَلَّهُ يُقَرَّرُ فِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ‏.‏

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ‏:‏ ‏[‏كُلُّ مَنْ كُلِّفَ بِمَصَالِحِ نَفْسِهِ فَلَيْسَ عَلَى غَيْرِهِ الْقِيَامُ بِمَصَالِحِهِ مَعَ الِاخْتِيَارِ‏]‏

كُلُّ مَنْ كُلِّفَ بِمَصَالِحِ نَفْسِهِ فَلَيْسَ عَلَى غَيْرِهِ الْقِيَامُ بِمَصَالِحِهِ مَعَ الِاخْتِيَارِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَوْجُهٌ‏:‏

أَحَدُهَا‏:‏ أَنَّ الْمَصَالِحَ إِمَّا دِينِيَّةٌ أُخْرَوِيَّةٌ، وَإِمَّا دُنْيَوِيَّةٌ، أَمَّا الدِّينِيَّةُ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى قِيَامِ الْغَيْرِ مَقَامَهُ فِيهَا حَسَبَمَا تَقَدَّمَ وَلَيْسَ الْكَلَامُ هُنَا فِيهَا‏;‏ إِذْ لَا يَنُوبُ فِيهَا أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَإِنَّمَا النَّظَرُ فِي الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهَا، فَإِذَا فَرَضْنَا أَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِهَا، فَقَدْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ، وَإِذَا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ سَقَطَتْ عَنِ الْغَيْرِ بِحُكْمِ التَّعْيِينِ فَلَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ مُكَلَّفًا بِهَا أَصْلًا‏.‏

وَالثَّانِي‏:‏ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْغَيْرُ مُكَلَّفًا بِهَا أَيْضًا لَمَا كَانَتْ مُتَعَيَّنَةً عَلَى هَذَا الْمُكَلَّفِ وَلَا كَانَ مَطْلُوبًا بِهَا أَلْبَتَّةَ‏;‏ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ حُصُولُ الْمَصْلَحَةِ، أَوْ دَرْءُ الْمَفْسَدَةِ، وَقَدْ قَامَ بِهَا الْغَيْرُ بِحُكْمِ التَّكْلِيفِ فَلَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ هُوَ مُكَلَّفًا بِهَا وَقَدْ فَرَضْنَاهُ مُكَلَّفًا بِهَا عَلَى التَّعْيِينِ، هَذَا خُلْفٌ لَا يَصِحُّ‏.‏

وَالثَّالِثُ‏:‏ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْغَيْرُ مُكَلَّفًا بِهَا فَإِمَّا عَلَى التَّعْيِينِ، وَإِمَّا عَلَى الْكِفَايَةِ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، أَمَّا كَوْنُهُ عَلَى التَّعْيِينِ فَكَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا عَلَى الْكِفَايَةِ فَالْفَرْضُ أَنَّهُ عَلَى الْمُكَلَّفِ عَيْنًا لَا كِفَايَةً فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا عَلَيْهِ عَيْنًا غَيْرَ وَاجِبٍ عَلَيْهِ عَيْنًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ مُحَالٌ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تَلْحَقَهُ ضَرُورَةٌ، فَإِنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ سَاقِطٌ عَنْهُ التَّكْلِيفُ بِتِلْكَ الْمَصَالِحِ، أَوْ بِبَعْضِهَا مَعَ اضْطِرَارِهِ إِلَيْهَا فَيَجِبُ عَلَى الْغَيْرِ الْقِيَامُ بِهَا وَلِذَلِكَ شُرِعَتِ الزَّكَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْإِقْرَاضُ وَالتَّعَاوُنُ، وَغَسْلُ الْمَوْتَى، وَدَفْنُهُمْ وَالْقِيَامُ عَلَى الْأَطْفَالِ وَالْمَجَانِينَ وَالنَّظَرُ فِي مَصَالِحِهِمْ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ الْمُحْتَاجُ إِلَيْهَا عَلَى اسْتِجْلَابِهَا وَالْمَفَاسِدِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِدْفَاعِهَا، فَعَلَى هَذَا يُقَالُ‏:‏ كُلُّ مَنْ لَمْ يُكَلَّفْ بِمَصَالِحِ نَفْسِهِ فَعَلَى غَيْرِهِ الْقِيَامُ بِمَصَالِحِهِ بِحَيْثُ لَا يَلْحَقُ ذَلِكَ الْغَيْرَ ضَرَرٌ، فَالْعَبْدُ لَمَّا اسْتَغْرَقَتْ مَنَافِعُهُ مَصَالِحَ سَيِّدِهِ كَانَ سَيِّدُهُ مَطْلُوبًا بِالْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ، وَالزَّوْجَةُ كَذَلِكَ صَيَّرَهَا الشَّارِعُ لِلزَّوْجِ كَالْأَسِيرِ تَحْتَ يَدِهِ فَهُوَ قَدْ مَلَكَ مَنَافِعَهَا الْبَاطِنَةَ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِمْتَاعِ وَالظَّاهِرَةَ مِنْ جِهَةِ الْقِيَامِ عَلَى وَلَدِهِ، وَبَيْتِهِ فَكَانَ مُكَلَّفًا بِالْقِيَامِ عَلَيْهَا فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ‏}‏ الْآيَةَ ‏[‏النِّسَاء‏:‏ 34‏]‏‏.‏

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ‏:‏ ‏[‏كُلُّ مُكَلَّفٍ بِمَصَالِحِ غَيْرِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَقْدِرَ مَعَ ذَلِكَ عَلَى الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ نَفْسِهِ أَوْ لَا‏]‏

كُلُّ مُكَلَّفٍ بِمَصَالِحِ غَيْرِهِ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يَقْدِرَ مَعَ ذَلِكَ عَلَى الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ نَفْسِهِ أَوْ لَا، أَعْنِي الْمَصَالِحَ الدُّنْيَوِيَّةَ الْمُحْتَاجَ إِلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ فَلَيْسَ عَلَى الْغَيْرِ الْقِيَامُ بِمَصَالِحِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْجَمِيعِ، وَقَدْ وَقَعَ عَلَيْهِ التَّكْلِيفُ بِذَلِكَ فَالْمَصَالِحُ الْمَطْلُوبَةُ مِنْ ذَلِكَ التَّكْلِيفِ حَاصِلَةٌ مِنْ جِهَةِ هَذَا الْمُكَلَّفِ، فَطَلَبُ تَحْصِيلِهَا مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ‏;‏ لِأَنَّهُ طَلَبُ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَأَيْضًا فَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا جَارٍ هُنَا، وَمِثَالُ ذَلِكَ السَّيِّدُ وَالزَّوْجُ وَالْوَالِدُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَمَةِ أَوِ الْعَبْدِ، وَالزَّوْجَةُ وَالْأَوْلَادُ، فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ، وَمَصَالِحِ مَنْ تَحْتَ حُكْمِهِ لَمْ يُطْلَبْ غَيْرُهُ بِالْقِيَامِ عَلَيْهِ وَلَا كُلِّفَ بِهِ، فَإِذَا فَرَضْنَا أَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى مَصَالِحِ غَيْرِهِ سَقَطَ عَنْهُ الطَّلَبُ بِهَا، وَيَبْقَى النَّظَرُ فِي دُخُولِ الضَّرَرِ عَلَى الزَّوْجَةِ وَالْعَبْدِ وَالْأَمَةِ يُنْظَرُ فِيهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى لَا تَقْدَحُ فِي هَذَا التَّقْرِيرِ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ، أَوْ قَدَرَ لَكِنْ مَعَ مَشَقَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ فِي إِسْقَاطِ التَّكْلِيفِ، فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ الْمَصَالِحُ الْمُتَعَلِّقَةُ مِنْ جِهَةِ الْغَيْرِ خَاصَّةً، أَوْ عَامَّةً، فَإِنْ كَانَتْ خَاصَّةً سَقَطَتْ، وَكَانَتْ مَصَالِحُهُ هِيَ الْمُقَدَّمَةَ‏;‏ لِأَنَّ حَقَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ غَيْرِهِ شَرْعًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْقِسْمِ الرَّابِعِ مِنَ الْمَسْأَلَةِ الْخَامِسَةِ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ جَارٍ هُنَا عَلَى اسْتِقَامَةٍ إِلَّا إِذَا أَسْقَطَ حَظَّهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ نَظَرٌ آخَرُ قَدْ تَبَيَّنَ أَيْضًا‏.‏

وَإِنْ كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ عَامَّةً فَعَلَى مَنْ تَعَلَّقَتْ بِهِمُ الْمَصْلَحَةُ أَنْ يَقُومُوا بِمَصَالِحِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَخِلُّ بِأَصْلِ مَصَالِحِهِمْ وَلَا يُوقِعْهُمْ فِي مَفْسَدَةٍ تُسَاوِي تِلْكَ الْمَصْلَحَةَ، أَوْ تَزِيدُ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُقَالَ لِلْمُكَلَّف‏:‏ لَا بُدَّ لَكَ مِنَ الْقِيَامِ بِمَا يَخُصُّكَ، وَمَا يَعُمُّ غَيْرَكَ، أَوْ بِمَا يَخُصُّكَ فَقَطْ، أَوْ بِمَا يَعُمُّ غَيْرَكَ فَقَطْ وَالْأَوَّلُ لَا يَصْحُّ فَإِنَّا قَدْ فَرَضْنَاهُ مِمَّا لَا يُطَاقُ، أَوْ مِمَّا فِيهِ مَشَقَّةٌ تُسْقِطُ التَّكْلِيفَ فَلَيْسَ بِمُكَلَّفٍ بِهِمَا مَعًا أَصْلًا‏.‏

وَالثَّانِي أَيْضًا لَا يَصِحُّ‏;‏ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ الْعَامَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْخَاصَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا إِلَّا إِذَا دَخَلَ عَلَى الْمُكَلَّفِ بِهَا مَفْسَدَةٌ فِي نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُكَلَّفُ إِلَّا بِمَا يَخُصُّهُ عَلَى تَنَازُعٍ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَقَدْ أَمْكَنَ هُنَا قِيَامُ الْغَيْرِ بِمَصْلَحَتِهِ الْخَاصَّةِ، فَذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ، وَإِلَّا لَزِمَ تَقْدِيمُ الْمَصْلَحَةِ الْخَاصَّةِ عَلَى الْعَامَّةِ بِإِطْلَاقٍ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ، تَعَيَّنَ عَلَى هَذَا الْمُكَلَّفِ التَّجَرُّدُ إِلَى الْقِيَامِ بِالْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، وَهُوَ الثَّالِثُ مِنَ الْأَقْسَامِ الْمَفْرُوضَةِ‏.‏

فَصْلٌ ‏[‏في قِيَامِ الْغَيْرِ بِمَصَالِحِ الْمُكَلَّفِ بِوَجْهٍ لَا يُخِلُّ بِمَصَالِحِهِمْ وَلَا يَضُرُّ بِهِ‏]‏

إِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ الثَّالِثَ مُتَعَيَّنٌ عَلَى مَنْ كُلِّفَ بِهِ عَلَى أَنْ يَقُومَ الْغَيْرُ بِمَصَالِحِهِ فَالشَّرْطُ فِي قِيَامِهِمْ بِمَصَالِحِهِ أَنْ يَقَعَ مِنْ جِهَةٍ لَا تُخِلُّ بِمَصَالِحِهِمْ وَلَا يَلْحَقُهُ فِيهَا أَيْضًا ضَرَرٌ قِيَامُ الْغَيْرِ بِمَصَالِحِ الْمُكَلَّفِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُخِلُّ بِمَصَالِحِهِمْ وَلَا يُضِرُّ بِهِ‏.‏

وَقَدْ تَعَيَّنَ ذَلِكَ فِي زَمَانِ السَّلَفِ الصَّالِحِ‏;‏ إِذْ جَعَلَ الشَّرْعُ فِي الْأَمْوَالِ مَا يَكُونُ مُرْصَدًا لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَكُونُ فِيهِ حَقٌّ لِجِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ إِلَّا لِمُطْلَقِ الْمَصَالِحِ كَيْفَ اتَّفَقَتْ، وَهُوَ مَالُ بَيْتِ الْمَالِ فَيَتَعَيَّنُ لِإِقَامَةِ مَصْلَحَةِ هَذَا الْمُكَلَّفِ ذَلِكَ الْوَجْهُ بِعَيْنِهِ وَيَلْحَقُ بِهِ مَا كَانَ مِنَ الْأَوْقَافِ مَخْصُوصًا بِمِثْلِ هَذِهِ الْوُجُوهِ فَيَحْصُلُ الْقِيَامُ بِالْمَصَالِحِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ وَلَا يَكُونُ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الطَّرَفَيْنِ‏;‏ إِذْ لَوْ فُرِضَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْوَجْهِ لَكَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْقَائِمِ، وَضَرَرٌ عَلَى الْمُقُومِ لَهُمْ‏.‏

أَمَّا مَضَرَّةُ الْقَائِمِ فَمِنْ جِهَةِ لِحَاقِ الْمِنَّةِ مِنَ الْقَائِمِينِ إِذَا تَعَيَّنُوا فِي الْقِيَامِ بِأَعْيَانِ الْمَصَالِحِ وَالْمِنَنُ يَأْبَاهَا أَرْبَابُ الْعُقُولِ الْآخِذُونَ بِمَحَاسِنِ الْعَادَاتِ، وَقَدِ اعْتَبَرَ الشَّارِعُ هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ وَلِذَلِكَ شَرَطُوا فِي صِحَّةِ الْهِبَةِ وَانْعِقَادِهَا الْقَبُولَ‏.‏

وَقَالَتْ جَمَاعَةٌ‏:‏ إِذَا وُهِبَ الْمَاءُ لِعَادِمِ الْمَاءِ لِلطَّهَارَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ وَجَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَأَصْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى‏}‏ ‏[‏الْبَقَرَة‏:‏ 264‏]‏ فَجَعَلَ الْمَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُبْطِلُ أَجْرَ الصَّدَقَةِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا فِي الْمَنِّ مِنْ إِيذَاءِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ عَلَى الْجُمْلَةِ فِي كُلِّ مَا فُرِضَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، هَذَا وَجْهٌ، وَوَجْهٌ ثَانٍ مَا يَلْحَقُهُ مِنَ الظُّنُونِ الْمُتَطَرِّقَةِ وَالتُّهْمَةِ اللَّاحِقَةِ عِنْدَ الْقَبُولِ مِنَ الْمُعَيَّنِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ بِاتِّفَاقٍ لِلْقَاضِي وَلَا لِسَائِرِ الْحُكَّامِ- أَنْ يَأْخُذُوا مِنَ الْخَصْمَيْنِ، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا أُجْرَةً عَلَى فَصْلِ الْخُصُومَةِ بَيْنَهُمَا وَامْتُنِعَ قَبُولُ هَدَايَا النَّاسِ لِلْعُمَّالِ وَجَعَلَهَا- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام- مِنَ الْغُلُولِ الَّذِي هُوَ كَبِيرَةٌ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ‏.‏

وَأَمَّا مَضَرَّةُ الدَّافِعِ فَمِنْ جِهَةِ كُلْفَةِ الْقِيَامِ بِالْوَظَائِفِ عِنْدَ التَّعْيِينِ، وَقَدْ يَتَيَسَّرُ لَهُ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، أَوْ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ وَلَا ضَابِطَ فِي ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَيْهِ وَلِأَنَّهَا تَصِيرُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُتَكَلِّفِ لَهَا أُخَيَّةَ الْجِزْيَةِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ مَشْرُوعٌ إِذَا كَانَتْ مُوَظَّفَةً عَلَى الرِّقَابِ، أَوْ عَلَى الْأَمْوَالِ، هَذَا إِلَى مَا يَلْحَقُ فِي ذَلِكَ مِنْ مُضَادَّةِ أَصْلِ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي طُلِبَ ذَلِكَ الْمُكَلَّفُ بِإِقَامَتِهَا‏;‏ إِذْ كَانَ هَذَا التَّرْتِيبُ ذَرِيعَةً إِلَى الْمَيْلِ لِجِهَةِ الْمُبَالِغِ فِي الْقِيَامِ بِالْمَصْلَحَةِ فَيَكُونُ سَبَبًا فِي إِبْطَالِ الْحَقِّ، وَإِحْقَاقِ الْبَاطِلِ، وَذَلِكَ ضِدُّ الْمَصْلَحَةِ وَلِأَجَلِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ نَفْيُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ‏}‏ ‏[‏الشُّعَرَاء‏:‏ 109‏]‏ ‏{‏قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ‏}‏ ‏[‏سَبَأٍ‏:‏ 47‏]‏ ‏{‏قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 86‏]‏‏.‏

إِلَى سَائِرِ مَا فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَبِالْوَجْهِ الْآخَرِ عُلِّلَ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ أَخْذِ الْأُجْرَةِ مِنَ الْخَصْمَيْنِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَايَةِ الظُّهُورِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ‏.‏